فَالْوُجُودُ الْمَنْسُوبُ إلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ هُوَ وُجُودُ الْحَقِّ تَعَالَى لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا وُجُودَ لَهُ بِذَاتِهِ، بَلْ وُجُودُهُ بِإِيجَادِ مُوجِدِهِ، لِأَنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ قَابِلَةٌ لِظُهُورِ هَذَا الْوُجُودِ، فَالْحَقُّ تَعَالَى غَنِيٌّ بِذَاتِهِ عَنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ تَعَالَى لَمْ يَفْتَقِرْ لِشَيْءٍ أَوْجَدَهُ وَأَظْهَرَهُ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ، فَمَا نَصْبُ الْأَدِلَّةَ عَلَيْهِ وَالْإِشَارَةَ إلَيْهِ عَبَثًا وَبِغَيْرِ حِكْمَةٍ. وَإِنَّمَا نُصْبُهَا دَلَالَةً عَلَى الْمَرْتَبَةِ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
فَصْلُ مَظَاهِرِ التَّجَلِّي
فَأَوَّلُ مَظْهَرٍ تَجَلَّى الْحَقُّ بِهِ هُوَ الْقَلَمُ الْإِلَهِيُّ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ وَلَمْ تَكُنْ الْعَيْنُ مُظْهِرًا للَّهَ تَعَالَى إلَّا بِظُهُورِ الْحَقِّ فِيهَا، فَهِيَ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ أَوَّلِيَّةُ الْحَقِّ فِي الظُّهُورِ وَبِدَايَةُ التَّجَلِّي، وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّهُ وَالْعَقْلُ حِجَابٌ لَهُ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْأَعْيَانُ جَمِيعُهَا مَظَاهِرَهُ وَذَلِكَ بِنِسْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِذَا تُسَمَّى بِالْآخَرِ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَدَ إِلَّا عَيْنًا وَاحِدَةً وَهُوَ الْقَلَمُ الْأَعْلَى أَوْ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ فَكَيْفَمَا شِئْتَ سَمِّيهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ: أَوَّلُ شَيْءُ خَلَقَهُ اللَّهُ هُوَ الْعَقْلُ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضُ بِهِ.




