فَالْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ: هِيَ مَعْرِفَةُ الصُّوَرِ الْمُجَرَّدَةِ وَمَبْدَأُ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ جَوْهَرِ النَّفْسِ لِذَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ جَوْهَرِهَا وَمَبْدَئِهَا أَيْنَ كَانَتْ قَبْلَ تَعَلُّقِهَا بِالْجَسَدِ وَالْفَحْصِ عَنْ مَعَادِهَا إِلَى أَيْنَ تَكُونُ بَعْدُ فِرَاقُهَا الْجَسَدُ.
وَأَمَّا الْعُلُومُ الطَّبِيعِيَّةُ: هِيَ مَعْرِفَةُ جَوَاهِرِ الْأَجْسَامِ وَمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ الْأَعْرَاضِ وَمَبْدَأُ هَذَا الْعِلْمِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَبَوَيْنِ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ كَمَا أَنَّ لِأَجْسَادِهِمْ أَبَوَيْنِ فِي عَالَمِ الْأَجْسَادِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ لِمَوْلَانَا عَلِيٌّ عَزَّ عِزُّهُ: يَا عَلِيُّ أَنَا وَأَنْتَ أَبَوا هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَهَذِهِ الْأُبُوَّةُ رُوحَانِيَّةٌ لَا جُسْمَانِيَّةٌ.
فَالْإِنْسَانُ مُكَوَّنٌ مِنْ جَسَدٍ جُسْمَانِيٍّ وَنَفْسٍ رُوحَانِيَّةٍ وَهُمَا جَوْهَرَانِ مُتَبَايِنَانِ فِي الصِّفَاتِ مُتَضَادَّانِ فِي الْأَحْوَالِ وَمُشْتَرِكَانِ فِي الْأَفْعَالِ الْعَارِضَةِ وَالصِّفَاتِ الزَّائِلَةِ، فَمِنْ أَجْلِ جَسَدِهِ صَارَ مُرِيدًا لِلْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ الرُّوحَانِيَّةِ صَارَ طَالِبًا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ، وَمِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ الْبَارِي أَنَّهُ غَيْرُ الْوُجُودِ وَهُوَ أَصْلُ الْمَوْجُودَاتِ وَعِلَّتُهَا وَهُوَ تَعَالَى مَعَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ لَهَا وَلَا مُمَازَجَةٍ مَعَهَا، حَيْثُ إِنْ الصُّورَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ جَامِعَةٌ لْعَالَمَيِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَهِيَ الْمَثَلُ الْحِسِّيُّ الَّذِي بِمَعْرِفَتِهِ يَعَبِّرُ الْعَارِفُ إِلَى الْعَالِمِ




