فَالْحَقُّ تَعَالَى يَرَى وَيُشَاهِدُ وَلَكِنْ يَسْتَحِيلُ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ وَإِنْ رَأَتْهُ فَالسَّمَاءُ تَرَى وَلَكِنْ لَا تُدْرِكُهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْظَمُ وَأَجَلُّ، حَيْثُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحِجَابُ هُوَ لِلْأَجْسَامِ الْمَحْدُودَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْجِسْمِ وَالْحَدُّ.
فَالصِّفَاتُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تَفْنَى إلَّا بِتَجَلِّي الذَّاتِ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْجَهْلُ إلَّا بِمَعْرِفَتِهَا فَيَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ عِلْمًا لِدُنْيَا فَيُعَرِّفُهُ بِتَعْرِيفِهِ وَيَعْبُدُهُ بِتَعْلِيمِهِ وَهَذَا مَقَامُ الْمُوَحِّدِ الْعَارِفِ الَّذِي فَنَّى نَفْسَهُ فِي حُبِّ مَوْلَاهُ، فَيَرْفَعُهُ اللَّهُ إلَى مَعْرِفَةِ الرُّوحِ وَعَالِمِهَا لِأَنَّ الرُّوحَ مُلَازِمَةٌ لِعَالَمِ الْقُدْرَةِ وَمُشَاهَدَةِ عَالَمِ الْحَقِيقَةِ لَا تَلْتَفِتُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَرِيقُ الْوُصُولِ إلَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ هُوَ مُتَابَعَةُ الْجِسْمِ وَالْأَخْذُ بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَدَوَامُ ذِكْرِ اللَّهِ فَرْضٌ قَائِمٌ عَلَى الطَّالِبِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾﴿1﴾ الْمُرَادُ مِنْ الْقِيَامِ النَّهَارُ، وَمِنْ الْقُعُودِ اللَّيْلُ، فَالنُّفُوسُ كُلُّهَا جَوْهَرٌ وَاحِدٌ وَأَنَّ اخْتِلَافَهَا بِحَسَبِ مَعَارِفِهَا وَأَعْمَالِهَا وَأَخْلَاقِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَاتِ هِيَ صُورَةٌ فِي جَوَاهِرُهَا، وَكَذَلِكَ النَّفْسُ الْجُزْئِيَّةُ إذَا قَبِلَتْ عِلْمًا مِنْ الْعُلُومِ تَكُونُ أَفَضَلُ وَأَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ النُّفُوسِ الْأُخْرَى.




