الْعَالِيَةَ لَأَعْرَضْتَ عَنْهُمْ وَفَرَّرْتَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، وَذَلِكَ لَمَيْلِك إلَى اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا مُجَانَسَةَ بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ، أَيْ بَيْنَ عَالَمِ الْحِسِّ وَعَالَمِ الْعَقْلِ.
وَمَلِئْت مِنْهُمْ رُعْبًا: أَيْ خَوْفًا وَفَزَعًا مِنْهُمْ وَمِنْ أَحْوَالِهِمْ لِمَا أَعْطَاهُمْ اللَّهُ مِنْ الْهَيْبَةِ وَالْوَقَارِ، وَمَا أَلْبَسَهُمْ وَكَسَّاهُمْ بِهِ مِنْ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَأَيْنَ الْمُحَدِّثُ مِنْ الْقَدِيمِ أَوْ هَلْ يَسَعُ الْعَدَمُ الْوُجُودَ.
وَقَوْلُهُ: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِورَقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ: هَذَا زَمَنُ اسْتِبْصَارِهِمْ لِمَعْرِفَةِ حَقَائِقِ هَذَا الْوُجُودِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ النَّقْصِ وَلَا الزِّيَادَةِ فِي وُجُودِهِ وَظُهُورِهِ.
وَالْوَرِقُ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا هُوَ مَعَهُمْ مِنْ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ اللُّدُنِيَةُ الَّتِي هِيَ بِحَوْزَتِهِمْ بِالْفِطْرَةِ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ.
وَالْمَدِينَةُ: هِيَ مَحَلُّ اجْتِمَاعِ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةِ وَهِيَ مَدِينَةُ الْعِلْمِ الْجَامِعَةُ لِهَذِهِ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ الْعَيْنُ الْحِمْئَةِ الْغَارِبَةُ بِهَا الْأَنْوَارِ.




