ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ: أَيْ نَبَّهْنَاهُمْ عَنْ نَوْمِ الْغَفْلِ وَسُنَّةِ الْجَهْلِ بِقِيَامِهِمْ عَنْ مَرْقَدِ الْبَدَنِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِاَللَّهِ وَبِنُفُوسِهِمْ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْغَوَاشِي الْبَدَنِيَّةِ، لِنَعْلَمَ: أَيْ لِيَظْهَرَ عِلْمُنَا فِي مَظَاهِرِهِمْ أَيْ الْحِزْبَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي مُدَّةِ لَبَّثهِمْ الَّذِينَ يُعَيِّنُونَ الْمُدَّةَ أُمْ يَكِلُونَ عِلْمَهُ إلَى اللَّهِ، فَالْخَلْقُ مُخْتَلِفُونَ فِي زَمَانٍ مُدَّةِ الْغِيبَةِ وَالْعَارِفُونَ هُمْ الَّذِينَ يَكْلُونَ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ.
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ: إِيمَانًا كُلِّيًّا بِمَعْرِفَةِ أَسْرَارِ هَذَا الْوُجُودِ. وَزِدْنَاهُمْ هُدًى: أَيْ مَعْرِفَةً وَهِدَايَةً تُوصِلُهُمْ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ وَمَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ وَقَوَّيْنَاهُمْ بِالصَّبْرِ وَالْإِيمَانِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمُخَالَفَةِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَهَجْرِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَتَرْكِ عِبَادَةِ صَنَمِ الْجِسْمِ بَيْنَ يَدَيْ جَبَّارِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مُظْلِمَةً كَدَرَّةٍ لَمْ تَتَنَوَّرْ بَعْدُ بِنُورِ الْعَقْلِ وَلَا تَسْتَضِيءُ بِضِيَاءِ التَّوْحِيدِ، أَمَّا اذَا قَبِلَتْ مِنْ الْعَقْلِ إِفَاضَتَهُ وَانْفَعَلَتْ بِنُورِهِ وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ وَفَتَحَتْ بَصِيرَتَهَا بِشُهُودِ نُورِ أَصْلِهَا أَدْرَكَتْ دَقَائِقَ التَّوْحِيدِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَفِيضُ بِهِ إِلَى جَمِيعِ قُوَاهَا فَتُصْبِحُ النَّفْسُ بِذَلِكَ بَرْزَخًا قَائِمًا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ تَأْخُذُ مِنْ الْأَعْلَى وَتُعْطِيهِ إلَى الْأَدْنَى.
إلَى قَوْله تَعَالَى: لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ: أَيْ عَلَى حَقَائِقِهِمْ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمَادَّةِ وَاكْتَشَفْتَ أَسْرَارَهُمْ الْمُحَصَّنَةَ وَعَرَفْتَ مَقَامَاتِهِمْ الرَّفِيعَةَ وَمَنَازِلَهُمْ




