مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مَغَارِبُ الْأَسْرَارِ وَرُوحَانِيَّةُ الْأَزْهَارِ - مُحَمَّدُ كَامِلٌ الْعَلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 129 من 152

الرُّوحِ وَأَظْلَمَ الْعَقْلِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَحْكُمُ الْعَقْلَ بِأَهْوَائِهَا وَمُغْرِيَاتِهَا الْحِسِّيَّةِ وَالْعَقْلُ يَحْكُمُ النَّفْسَ بِتَدْبِيرِهِ وَيُبَيِّنُ لَهَا فِعْلَ الْخَيْرِ وَفِعْلَ الشَّرِّ، لِأَنَّ لِلْعَقْلِ تَدْبِيرٌ وَحُكْمٌ وَلِلنَّفْسِ تَدْبِيرٌ وَهَوًى وَكُلٌّ مِنْهُمَا سُلْطَانٌ قَاهِرٌ.

وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ: أَنَّهُ فِي حَالِ الْمَيْلِ إلَى الْخَيْرِ هُوَ الْازْوِرَارُ عَنْ الْكَهْفِ، وَفِي حَالِ الْمَيْلِ إلَى الشَّرِّ تُقْرِضُهُمْ أَيْ تَقْطَعُهُمْ عَنْ الْخَيْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّوحَ يُوَافِقُ الْقَلْبَ فِي طَرِيقِ الْخَيْرِ إذَا أَعْرَضَ عَنْ جَانِبِ الْبَدَنِ، وَلَا يُوَافِقُهُ فِي طَرِيقِ الشَّرِّ بَلْ يَقْطَعُهُ وَيُفَارِقُهُ وَهُوَ مُنْغَمِسٌ فِي ظُلُمَاتِ النَّفْسِ وَصِفَاتِهَا الْحَاجِبَةِ لَهُ عَنْ النُّورِ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى تَلْوِينِهِمْ فِي السُّلُوكِ، لِأَنَّ السَّالِكَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ إذْ لَمْ يَصِلْ فِي سُلُوكِهِ إلَى مَقَامِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْكِينِ وَبَقِيَ فِي صِفَاتِ التَّلْوِينِ قَدْ تَظْهَرُ عَلَيْهِ النَّفْسُ وَصِفَاتُهَا فَتَحْجُبُهُ عَنْ نُورِ الرُّوحِ، وَإِذَا تَمَكَّنَ السَّالِكُ مِنْ اجْتِيَازِ صِفَاتِ النَّفْسِ وَتَلْوِينِهَا أَشْرَقَ عَلَيْهِ نُورُ الرُّوحِ الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى آيَاتِ اللَّهِ وَظُهُورَاتِهِ.

فَالْمَبْعُوثُ إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ: الْفِكْرُ. وَالْمَدِينَةُ: هِيَ مَحَلُّ اجْتِمَاعٍ الْقُوَى الرُّوحَانِيَّةُ وَالنَّفْسَانِيَّةُ، وَالَّذِي هُوَ أَزْكَى طَعَامًا الْعَقْلُ، وَالرِّزْقُ: هُوَ الْعِلْمُ، وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا مِنْ الْقُوَى الْحِسِّيَّةِ النَّفْسَانِيَّةُ.

الصفحة 129 من 152