لِاتِّصَالِهَا بِالْجِسْمِ وَتَعَلُّقِ الْجِسْمِ بِهَا لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُرِيدُ إلَّا اسْتِخْدَامَهُ فِي تَحْصِيلِ مَلَذَّاتِهَا الْبَدَنِيَّةُ. فَمَا دَامَتْ النَّفْسُ قَائِمَةً بِخِدْمَةِ هَذَا الْجَسَدِ وَمُشْتَهَيَاتِهِ الْحُسِّيَّةِ، فَهِيَ لَمْ تَزَلْ مُظْلِمَةً كَدُرَّةٍ لَمْ تَتَنَوَّرْ بَعْدُ بِنُورِ الْعَقْلِ وَلَا تَسْتَضِيءُ بِضِيَاءِ التَّوْحِيدِ.
أَمَّا إِذَا قَبِلَتْ مِنْ الْعَقْلِ إِفَاضَتَهُ وَرَضِحَتْ إِلَيْهِ فَإِنَّهَا تَتَنَوَّرُ بِنُورِهِ وَتَسْتَضِيئُ بِضِيَائِهِ وَتَأْخُذُ مَعَارِفَهَا مِنْهُ وَتَفِيضُ بِهِ إِلَى جَمِيعِ الْقُوَى الْحُسِّيَّةِ الَّتِي دُونَهَا فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ فَتُصْبِحُ النَّفْسُ بِذَلِكَ بَرْزَخًا قَائِمًا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ تَأْخُذُ مِنْ الْأَعْلَى وَتُعْطِيهِ إِلَى الْأَدْنَى.
لِأَنَّ السَّالِكَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ إِذَا لَمْ يَصِلْ فِي سُلُوكِهِ هَذَا إِلَى مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ الْكَامِلَةِ بِاللَّهِ وَبَقِيَ مَحْبُوسًا فِي صِفَاتِ النَّفْسِ الْحُسْيَّةُ مُقَيَّدًا بِهَا وَبِتَلْوِينَاتِهَا فَتَظْهَرُ عَلَيْهِ النَّفْسُ وَصِفَاتُهَا مُحْتَجِبَةٌ عَنْ إِشْرَاقِ نُورِ الرُّوحِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى آيَاتِ اللَّهِ وَظُهُورَاتِهِ، لِأَنَّ عَالَمَ الرُّوحِ هُوَ عَالَمُ الْمُشَاهَدَةِ الدَّائِمَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِاتِّحَادِ النَّفْسِ مَعَ الرُّوحِ، وَانْحِجَابُ الرُّؤْيَةِ تَحْدُثُ بِسَبَبِ مُبَادَرَةٍ تَقُومُ بِهَا النَّفْسُ كَيْ تُشَاهِدَ مَا يَكْمُنُ وَرَاءَ الْعَقْلِ وَالرُّوحِ فَيَنْتُجُ عَنْهَا هُبُوطُ النَّفْسِ مِنْ عَالَمِ الْمُشَاهَدَةِ إِلَى عَالَمِ الْفِعْلِ وَالِانْفِعَالِ وَهَذَا مِنْ الْأَسْرَارِ الَّتِي




