لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لِلْإِنْسَانِ عَيْنَيْنِ عَيْنَ يُمْنَى وَعَيْنَ يُسْرَى، فَالْيَمَنِى يَنْظُرُ بِهَا لِلْحَقِّ، وَالْيُسْرَى يَنْظُرُ بِهَا إلَى الْخَلْقِ، وَهُمَا السِّرُّ الْمُسْتَسِرُّ لِهَذَا الْوُجُودِ وَلَوْ يَسْمَحُ لِي الدِّينُ بِكَشْفِ ذَلِكَ لَكَشَفْتُ عَنْ سِرٍّ لَمْ تَسْمَعْ بِمِثْلِهِ الْأَذَانُ وَلَا تَجُولُ فِي بِحَارِ مِيَاهِهِ فِلَكُ الْأَذْهَانُ.
وَلَكِنْ كَمَا قِيلَ أَرْفِقْ بِأَخِيكَ فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ مَا تَحْمِلُ، وَلَكِنْ سَأَكْشِفُ جَانِبًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْرَارِ بِمَا يَسْمَحُ لِي بِهِ الدِّينُ كَشْفَهُ وَذَلِكَ تَلْوِيحًا لَا تَصْرِيحًا فَأَقُولُ إِنَّ الْعَيْنَيْنِ: هُمَا بَاطِنُ النُّقْطَتَيْنِ وَسِرُّ الْبَحْرَيْنِ وَحَقِيقَةُ الصُّورَتَيْنِ وَهُمَا الْعَجْزُ وَالْمُعْجِزُ اللَّذَانِ أَظْهَرَهُمَا مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ فِي الْقُبَّةِ السَّابِعَةِ وَهُمَا الْحَرْفَانِ اللَّذَانِ خَرَجَ بِهِمَا أَبِي الْخَطَّابِ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ وَهُمَا الْفَتْقُ وَالرَّتْقُ وَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وَمَا مِنْ سِرٍّ أَظْهَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ إلَّا أَوْقَعَهُ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا سِرُّ هَذَا الْوُجُودِ.
فَالتَّجَلِّي الْحَاصِلُ لِمُوسَى كَانَ مِنْ حَيْثُ نَفْسُهُ لَا مِنْ حَيْثُ الْجَبَلُ لِأَنَّ الْجَبَلَ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَكَانًا لِتَعَبُّدِ مُوسَى، وَانْدِكَاكُ الْجَبَلِ: إِشَارَةٌ لِفَنَاءِ نَفْسِ مُوسَى بِاللَّهِ فَمَا رَأَى مُوسَى رَبَّهُ وَإِنَّمَا اللَّهُ رَأَى اللَّهَ وَلِهَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرَانِي لِأَنَّكَ إِنْ كُنْتُ مَوْجُودًا فَأَنَا غَائِبٌ عَنْكَ، وَإِنْ وَجَدْتَنِي فَأَنْتَ غَائِبٍ لِأَنَّهُ لَا




