فَالْوَاحِدُ وَالْمُوَحَّدُ عَبْدَانِ مِنْ عِبَادٍ اللَّهِ تَعَالَى، مَقَرَّانِ بِالْعُبُودِيَّةِ فَالْوَاحِدُ هُوَ أَوّلُ مُبْدِعٍ أَبْدَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِغَّیرَ زَمَانٍ، وَجَعَلَهُ عَيْنَ الْوَحْدَةِ الْمَفِيضَ بِلَطَائِفِ حَكْمْتُهُ عَلَى الْعَالَمِينَ "الرُّوحَانِيِّ وَالْجُسْمَانِيِّ" وَجَعَلَهُمَا مَفْعُولَيْنِ تَحْتَ أَحَاطَتْهِ ثُمَّ سَمَّاهُ عَقْلًا كُلِّيًّا.
وَالْمُوَحَّدُ هُوَ الرَّسُولُ فِي زَمَانِهِ، وَالْإِمَامُ فِي عَصْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ شَبِيهًا وَلَا نَظِيرًا، وَلَا شَرِيكًا فِي مَنْزِلَتِهِ، إِذَا كَانَ الْوَاحِدُ هُوَ الْفَاعِلُ، وَالْمُوَحَّدُ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالْمُبْدِعُ جَلَّ جَلَالُهُ قَدْ تَنَزَّهَ عَنْ كَلَامِ الْوَاصِفَيْنِ، إِذْ هُمَا مِنْ صِفَاتِ خَلْقِهِ فَتَحَقَّقَ إِنَّ أَسْمَائَهُ وَحَجْبَهُ وَصِفَاتِهِ عَبِيدُهُ، وَإِنَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مُسَمّى وَلَا مَوْصُوفٍ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، فَأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ إِنْ تَنْفِي عَنِ الْخَالِقِ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ نَفْيُ مَا كَانَ مَنْفِيًّا، لِأَنّ الْخَالِقَ لَمْ يَزَلْ مُنَزّهًا عَنْ صِفَةِ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَزَلْ الْمَخْلُوقُ مَنْفِيّاً عَنْهُ صِفَةَ الْخَالِقِ،
فَإِنْ قِيلَ: الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ، قُلْنَا: هَذَا هُوَ الشِّرْكُ بِعَيْنِهِ، وَأَنْ قِيلَ هِيَ هُوَ قُلْنَا لَا يَجُوزُ فِي الْحِكْمَةِ عِبَادَةُ اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ، إِذْ كَانَا يَدُلَّانِ عَلَى مُسَمِّى أَوْ مَوْصُوفٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا طَرِيقًا لَا مَقْصِدًا، لِأَنَّ كُلَّ أَسْمٍ وَصِفَةٌ مَحْدُودٍان إِذْ كَانَا دَاخِلَيْنِ تَحْتَ الْإِحَاطَةِ وَالْهِجَاءِ الَّتِي هِيَ حُرُوفٌ




