رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾﴿1﴾، فَإِنَّ قَوْلَهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِنَّهُ قَبْلَ هَذَا الْحَالِ كَانَ عَارِفًا بِرَبِّهِ، وَإِنّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ رَبُّ عَالِمِ الْمَلَكُوتِ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى تِلْكَ الْأَنْوَارَ الْمُخْتَلِفَةَ فِي الْعَظَمَةِ وَالْإِشْرَاقِ، اخْتِلَافُ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْكَوْكَبِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبْرِ، وَالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ دَهْشٌ وَتَحَيّرٌ وَعَنْ حَالَتِهِ تَغَيَّرَ، فَغَشِيَهُ نُورُ جَلَالٌ جَمَالِ الْحَضْرَةِ وَإِشْرَاقُ كَمَالِهِ، فَبَادَرَ إِلَى مِثَالِ الْكَوْكَبِ بِحَسَبِ التَّرْتِيبِ التَّعْلِيمِيِّ خِلَافُ التَّرْتِيبِ الْكَائِنِ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ، فَإِنْ أَتَمَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ الْكُلِّيَّ، ثُمَّ النَّفْسَ الْكُلِّيَّةَ، ثُمَّ النُّفُوسَ الْبَشَرِيَّةُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى إِنَّ سَيْرَ السَّالِكِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالتَّدْرِيجِ، كَمَا قُلْنَا مِنْ الأَصِّغَرِ إِلَى الْأَكِبَرِ، وَمِنْ الْأَضْعَفِ إِلَى الْأَقْوَى.
وَاعْلَمُوا إِخَوَانِي رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ الْعُقُولَ الْفَعَّالَةَ السَّابِقَ مِنْهَا عِلَّةُ وُجُودِ اللَّاحِقِ، وَأَمَّا النُّفُوسُ فَلَا تَكُونُ عِلَّةً لِشَيْءٍ مِنَ الْأَجْرَامِ، نَعَمْ عَسَى أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِبَعْضِ الْأَعْرَاضِ، كَالْحَيَاةِ الَّتِي فِي جِسْمِ الْفَلَكِ فَإِنَّهَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ نُفُوسِهَا، بَلْ هِيَ أَيْضًا مَفْعُولَاتُ اَلْعُقُولُ الَّتِي تَسْرِي فِي جِسْمِ الْفُلَكِ، بِوَاسِطَةِ النُّفُوسِ﴿2﴾ وَلَا تَفْهَمُوا هَذِهِ الْعِلَّةَ وَالْمَعْلُولِيَّةَ فِيمَا بَيْنَ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ، إِلَّا بِأَنْ




