كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾﴿1﴾ وَجَعَلَ الْحَقَّ وِقَايَةً لِنَفْسِهِ فِي إِضَافَةِ الْمَحَامِدِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ عَوَاقِبَ الثَّنَاءِ وَهَذَا مُقْتَضَى التَّحْقِيقِ الْأَتَمِّ، وَالْأَدَبِ الْأَعَمُّ، وَالتَّقِيَّةِ وَالْتَقَى الْأَكْمَلَ، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ. وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ.
أَعْلِمُوا أَخَوَانِي رَحِمَكُمْ اللَّهُ أَنَّهُ لوَ لَمْ يَكُنْ فِي الْوُجُودِ قَدِيمٌ، لَمَا كَانَ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ أَصْلًا الْبَتَّةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُجُودَ يَنْقَسِمُ قِسْمَةً حَاضِرَةً إِلَى مُحْدِثَ وَقَدِيمَ، وَالْقَدِيمُ أَعْنِي مَا لَيْسَ لِوُجُودِهِ أَوَّلٌ، لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدَايَةٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوُجُودِ قَدِيمًا، لَمْ يَكُنْ بِهِ حَادِثٌ أَصْلًا، إِذْ لَيْسَ فِي طَبِيعَةِ الْحَادِثِ أَنْ يُوجَدَ بِذَاتِهِ، فَأَنَّ الْمَوْجُودَ بِذَاتِهِ يَكُونُ وَاجِبَ الْوُجُوب﴿2﴾ وَالْوَاجِبُ بِذَاتِهِ لَا يُتَصَوّرُ لَهُ بِدَايَةٌ، وَهَا هُنَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ يُسَمَّى بِالشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَ فِي الْوُجُودِ مَوْجُودٌ لَزِمَ بِإِلْزَامِ الضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُودِ قَدِيمٌ، وَالْوُجُودُ مَعْلُومًا قَطْعًا يَنْتِجُ عَنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، وُجُودٌ مَوْجُودٍ قَدِيم بِالضَّرُورَةِ، فَهَذَا هُوَ طَرِيقُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْوُجُودِ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ، وَلَا يُقَالُ أَنَّ الْبَارِيَ لَيْسَ بمَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، إِذْ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا يَكُونُ مِثْلَ سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ، وَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا يَكُونُ مِثْلَ سَائِرِ الْمَعْدُومَاتِ، وَهُوَ




