فَهَذَا أَلْيَقُ بِذَوِي الْمَكَارِمِ، وَأَجْدَرُ بِالْعَاقِلِ اللَّبِيبِ الْعَالِمِ، فَانَ الْعُقُولُ تَتَفَاوَتُ، وَالْأَغْرَاضُ تَتَبَايَنُ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَلِكُلِّ عَمَلُ رِجَالٍ، وَفِي تَفَاوُتِ الْإِفْهَامِ حِكْمَةُ إِلْهَيْةٌ، وَأَسْرَارٌ رَبَّانِيَّةٌ
كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾﴿1﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾﴿2﴾
فَبَانَ لَكُمْ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي اخْتِلَافٍ الْعُقُولِ وَسَبَبُ تَفَاوُتِ الْقَبُولِ لِمَا يَرِدُّ عَلَيْهِ مِنْ سَمَاعِ الْمَنْقُولِ، بِقَدْرِ الْصَفَاءِ فَأنَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ مَرَايَا بَعْضُهَا أَصْفَا مِنْ بَعْضٍ، فَتَقْبَلُ الْإِشْرَاقَ الْإِلَهِيَّ، وَتَسْتَنِيرُ مَعَارِفُهَا بِالْفَيْضِ الرَّبَّانِيِّ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوِي اثْنَانِ فِي دَرَجَةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْإِيْمَانِ، وَالْعَمَلِ، وَالْإِحْسَانِ وَالْكَشْفِ وَالْعِيَانِ، وَالْبَيَانِ، وَالْبُرْهَانُ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ حِكَايَةً عَنْ الْمَلَأِ الْأَعْلَى ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾﴿3﴾
فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالْمَلَكُوتِ، وَهُوَ عَالِمُ الْأَنْوَارِ فَكَيْفَ لَا يُطَّرَدُ هَذَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَالْمِلْكِ، وَهُوَ عَالِمُ الْمِزَاجِ، أَعْنِي الْإِنْسَانَ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَعَهُ مِنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الصِّرَاطُ بَيْنَ الْجَنَّةِ




