الْجَمْعِ رَاجِعُ الْقَهْقَرَى بِالْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ، فَإِنَّهُ لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾﴿1﴾
وَأَمَّا حُسْنُ الْأَدَبِ مَعَ الْخَلْقِ فَهُوَ رِعَايَةُ الِاعْتِدَالِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْكِبَرِ الَّذِي هُوَ رَفْعُ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ فَوْقَ قَدْرِهِ، وَبَيْنَ الضَّعَةِ الَّتِي هِيَ وَضْعُ الْإِنْسَانِ نَفْسِهُ بِمَنْزِلَةِ تَزْرِي بِهِ، وَتُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ حَقِّهِ، فَيُقِيمُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى مِقْدَارِ مَا عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ الْقَدْرِ﴿2﴾ وَيُقِيمَ نَفْسَهُ عِنْدَ كُلِّ احْدٍ مِقْدَارًا يُعْلَمُ إِنَّهُمْ يُقِيمُونَهُ فِيهِ، وَيَحْفَظُ حَدَّهُ وَلَا يَتَمَنّى فَوْقَ قَدْرِهِ قَدَرًا، وَلَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ لَا عِنْدَ نَفْسِهِ، فَإِنَّ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ﴿3﴾ وَلَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي مَنْزِلَتَهُ كَانَ أَبْقَى لِجَمَالِ وَجْهِهِ وَيُرِيحُ وَيَسْتَرِيحُ، وَلَيْسَ التَّوَاضُعُ بِتَنْكِيسِ الرَّأْسِ وَانْحِنَاءِ الظُّهْرِ وَالْقِيَامِ كَمَا تَفْعَلُهُ عَامَّةُ الْأَعْجَامِ مُقَابَلَةَ الْجَهْلِ بجَهْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَمْلُّقٌ وَتَّمَكّنُ فِي الرِّئَاسَةِ وَحُبِّهَا، وَإِنَّمَا التَّوَاضُعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ عَارِفًا يُنَكِّسُ رَأْسَهُ وَيَنْحَنِي لِصَاحِبٍ مَنْصِبٌ دِينِي أَوْ دُنْيَوِيّ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِمُشَاهَدَةِ جَلَالٍ جَبْرُوتَ إِلْهِيٌّ يَجِبُ لَهُ التَّوَاضُعُ.




