وَثَالِثُهَا: الْمُرُوءَةُ لِقَوْلِهِ عَزَّ عِزُّهُ: لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ. وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَرْوَةِ وَهُوَ نَعْتُ آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ وَبِنِيَةٌ وَطَبِيعَتُهُمُ الَّتِي طَبِعُوا عَلَيْهَا وَهِيَ هِمَّةٌ فِي قُلُوبِهِمْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ وَبَنِيهِ الرَّاشِدِينَ بِهَذِهِ السَّجْيَّةِ وَجَبَّلَهُمْ عَلَيْهِمَا عَلَى غَيْرِ طَبِيعَةٍ مُكْتَسَبَةٍ﴿1﴾ بَلْ خَلَقَ اللَّهُ تِلْكَ الطَّبَائِعَ مَعَ خَلْقِهِمْ إِكْرَامًا لَهُمْ، فَمَيَّزَهُمْ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ وَهِيَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْعَقْلِ وَالطِّبَاعِ الْحِسَانِ، وَهِيَ حَسَبُ آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ وَنَسَبِهِ وَنَعْتُهُ، يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَقْسُومًا فِيهِمْ مَجْبُولًا أَلَا إِنَّ الْغَالِبَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَنْ تَجِدَ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلَ مِنَ الْمُرُوءَةِ، فَهِيَ أَشْرَفُ الطَّبَائِعِ أَعْظَمُهَا وَأَكْرَمُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَمْ تَكُنْ فَضِيلَةُ آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ مِنْ طَرِيقِ الْجِسْمِ، فَإِنَّ الْبَهَائِمَ وَالسِّبَاعَ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادَ يُشَارِكُونَ آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ وَبَنِيهِ فِي الْجِسْمِيَّةِ وَالْحُسِيَّةُ، وَإِنَّمَا فَضِيلَةُ آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ وَبَنِيهِ الْأَكْمَّلِ مِنْ قِبَلِ الْمُرُوءَةِ الَّتِي هِيَ ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْعَقْلِ الَّتِي بِهَا يُعَامِلُ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَزَّ عِزُّهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ، وَيُعَامَلُ خَلْقُهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَهِيَ الْإِنْسَانِيَّةُ الَّتِي رَكِبَتْ فِيهِ الْأَكْمَّلِ مِنْ بَنِيهِ، وَلَوْ لَمْ يِمَّنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْخَلْقِ بِالْمُرُوءَةِ وَالِاقْبَالِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، مَا اسْتَوْجَبَ الْفَضِلَ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعَ وَتِلْكَ الْأَخْلَاقُ




