الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: قِيَامُ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، وَهَذَا طَرِيقٌ أَرْبَابُ الْأَفْكَارِ وَالنَّظَرِ.
الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: وَهُمْ الَّذِينَ اسْتَنَدَ إِيْمَانُهُمْ إِلَى شُهُودٍ وَعِيَانٍ، وَهُمْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. وَهَذَا طَرِيقُ أَهْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ بِبَصَرِ الْإِيْمَانِ وَالْإِيقَانِ، فَأَغْنَانَا بِذَلِكَ عَنِ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، وَإِنَّا لَا نَرَى أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ، وَهَلْ فِي الْوُجُودِ سِوَى الْمَوْجُودِ؟ فَإِنْ كَانَ وَلَابُدَّ فَهْمٌ كَالْهَوَاءِ فِي الْهَبَاءِ إِنْ فَتَشَتْهُ لَمْ تَجِدْ شَيْئًا.
وَاعْلِمُوا إِخَوَانِي أَيْدِكُمُ اللَّهُ تَعَالَى، إِنَّ أَهْلَ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ يَقُولُونَ لِأَرْبَابِ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ، كَيْفَ تَسْتَدِلّونَ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ مُفْتَقِرٌ فِي وُجُودِهِ إِلَيْهِ؟ وَمَتَى غَابَ حَتّى يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ وَمَتَى فَقِدَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْهِ؟ أَيَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنْ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَهُ؟
أَلَيْسَ لَهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى سَبْقَ الْوُجُودَيْنِ؟ فَكَمَا لَهُ سَبْقَ الْوُجُودَيْنِ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبْقُ الشُّهُودَ، وَكَمَا هُوَ الْمَوْجُودُ الْأَوَّلُ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي إِنْ يَكُونُ هُوَ الْمَشْهُودَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَقُولُونَ: أَهُوَ أَقْرَبُ إِلْيكُمْ أَمِ الدَّلِيلِ مِنْكُمْ؟ فَإِذَا كَانَ هُوَ إِلَيْكُمْ أَقْرَبُ فَكَيْفَ يُوصَلُ مَا هُوَ عَنْكُمْ أَبْعَدُ إِلَى مَا هُوَ مِنْكُمْ أَقْرَبُ؟




