الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا رُوحَانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، قُرِنَتْ بِجَسَدٍ كَثِيفٍ، وَهُمَا مُتَضَادَّانِ، وَاجْتِمَاعَهِمَا مِنَ الْعَجَبِ يَضُرُّهَا مَا يَنْفَعُهُ، وَيَنْفَعُهَا مَا يَضُرُّهُ، وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ فِيهِ وَلَا خَارِجَةٌ عَنْهُ، وَلَا مُتَّصِلَةٌ بِهِ وَلَا مُنْفَصِلَةَ عَنْهُ، لِأَنَّهَا جَوْهَرٌ بَسِيطٌ، فَرْدٌ غَيْرُ مُتَحَيّزٍ وَلَا مُتَجَزِأ وَإِنَّمَا هِيَ حَامِلَةٌ لَهُ، وَلَيْسَ هُوَ حَامِلٌ لَهَا وَهِيَ مُدَبَّرَةٌ لِأُمُورِهِ، لَا هُو مُدَبَّرٌ لَهَا كَرَاكِبِ الدَّابَّةِ إِنَّ أَحْسَنَ سِيَاسَتِهَا وَسَارَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَمِنَ الْعِثَارَ وَأَنَّ سَاسَتْهُ تَقَحَّمَتْ بِهِ فِي الْمَهَالِكِ، وَأَوْرَدَتْهُ الْمُتَالِفُ، فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ، عَرَفَ رَبِّهُ الَّذِي لَا يَخْلُوا مِنْهُ مَكَانٌ أَبَدًا.
وَأَيْضًا: إِنَّهُ يَعْرِفُ مَا يَفْنَى وَيَمُوتُ وَهُوَ الْجَسَدُ وَمَا يَبْقَى وَلَا يَمُوتُ وَهِيَ الرُّوحُ فَإِنَ كُلِّ شَيْءٍ يَعُودُ إِلَى مَا مِنْهُ بُدًّا، فَمَا كَانَ مِنَ التُّرَابِ يَعُودُ إِلَيْهِ، وَمَا هُوَ مِنَ النُّورِ يَعُودُ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾﴿1﴾ فَبِمَعْرِفَتِهِ لِنَفْسِهِ وَمِمَّا بَدَتْ وَيَعْرِفُ جَسَدَهُ وَمِمَّا تَرَكَّبَ، وَيُعْرِفُ الْجَامِعُ بَيْنَهَما فَيَهْتَدِي لِعِبَادَةِ رَبِّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عَرَفَ رَبُّهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَإِنَّ نَفْسَهُ أَعْدَلُ شَاهِدٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَأَصْدَقُ رَائِدٍ يُخْبِرُ




