فَبَانَ بِهَذَا مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ أَعْرِفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرِفُكُمْ بِرَبِّهِ فَإِنّ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِمَا فِيهَا مِنْ مَجْمُوعِ الْعَالَمِينَ، فَقَدْ عَرَفَ بِذَلِكَ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْدَاعِهِ الْكَوْنَيْنِ، وَانَّهُ الْوَاحِدُ الِاحِدُ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ وَأَطَاعَ عَقْلَهُ هَدَاهُ، وَمَنْ عَصَى عَقْلَهُ، وَأَتْبَعَ هَوَاهُ أَضَلَّهُ، وَأَعْمَاهُ وَكَانَ مِمَّنْ ذَمَّهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ أَلْهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عَلِمَ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذْكُرُونَ﴾﴿1﴾
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَلْكٌ بِالْقُوَّةِ، وَشَيْطَانٌ بِالْقُوَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ فَمَنْ اسْتَنَارَ عَقْلَهُ بِطَاعَةِ رَبِّهِ، وَعَمِلَ صَالِحًا، شَارَكَ الْمَلَائِكَةِ بِمَعْرِفَتِهِ، وَلَحِقَ بِهِمْ بِطَاعَتِهِ، وَصَارَ مِلْكًا بِالْعَقْلِ وَالْفِعْلِ، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ شِقْوَتُهُ، وَأَطَاعَ هَوَاهُ أَرْدَاهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾﴿2﴾ فَقَدْ بَانَ إِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الصِّرَاطُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَبَيْنَ عَالِمِ النُّورِ وَهُوَ الْعَقْلُ وَبَيْنَ عَالِمِ الظُّلْمَةِ وَهُوَ الْحِسّ، فَأَفْهَمَ ذَلِكَ تَرْشُدُ وَأَطَعُهُ تَسْعَدُ وَاَللَّهُ الْمُرْشِدُ وَالْمُسَدَّدُ لَا رِبَ سِوَاهُ.




