الَّذِي عَبْدُ اللَّهِ فأَكْرَمَهُ، وَاجْتَبَاهُ وَاخْتَصَّهُ بِنُورِ الْعَقْلِ، وَحَبَّاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾﴿1﴾ فَمَا كَرَّمَهُمْ إِلَّا بِالْعَقْلِ لَا بِسِوَاهُ.
فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْهَادِي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، إِذْ بِالْمَعْرِفَةِ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَبْدَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَصْلِحًا لِلدَّارَيْنِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَبْدَعَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ عَالِمِ النُّورِ عَقْلًا بِلَا شَهْوَةٍ، وَخَلَقَ الْحَيَوَانِ مِنْ عَالَمِ الظُّلْمَةِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ فَلَمْ يَكُنْ عَالِمُ الْمَلَائِكَةِ يَصْلُحُونَ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ وَعِمَارَةِ الدَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ عَالِمُ الْحَيَوَانِ يُصْلِحُونَ لمَعْرِفَةَ اللَّهَ.
فَأَبْدَعَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ مِنْ عَالَمِ الْمِزَاجِ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ النُّورُ وَالظُّلَمَةُ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْعَالَمِينَ يَعْرِفُ اللَّهُ تَعَالَى بِنُورِهِ، فَبِذَلِكَ يُشَابِهُ الْمَلَائِكَةَ، وَيَصْلُحُ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ فِيمَا يُشَابِهُ الْحَيَوَانَ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾﴿2﴾




