مِنْهُ، فَدَلْنَا بِقَوْلِهِ أَنَا أَعْرِفُكُمْ بِاللَّهِ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ عَارِفٌ بِرَبِّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا أَحَدًا، لَكِنَّهُ نَبَّهْنَا عَلَى أَنَّهُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْمَعْرِفَةِ، لِمَكَانِ التَّفَاوُتِ فِي دَرَجَاتِ الْمَعْرِفَةِ لَا فِي عَيْنِ الْمَعْرِفَةِ.
وَقِيلَ: وُجِدَ عَلَى بَابِ مَدِينَةِ حُرّانَ مَكْتُوبٌ بِالْقَلَمِ السُّرْيَانِيِّ: "مِنْ عَرَفَ نَفْسَهُ تَأَلَّهُ" وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ أَعْرِفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرِفُكُمْ بِرَبِّهِ فَلَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّاغِبُ فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِكِتَابِ "النَّشْأَتَيْنِ" وَقَعَ الِاخْتِيَارُ مِنْهَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثِ وُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: إِنَّ الْإِنْسَانَ عَالِمٌ صَغِيرٌ أَبْدَعَهُ الْبَارِي مِنْ حَيْثُ الْحَجْمُ وَالْمِقْدَارُ لَا مِنْ حَيْثُ الْكَمَالُ وَالْأَقْدَارُ، وَجَمَعَ فِيهِ مَا فِي الْعَالَمِ الْكَبِيرِ، عَلْوِيَّةٌ وَسُفْلِيَّةُ مِثَالَيْهِ وَعَقْلَيْهِ وَحِسِّيَّهِ، فَهُوَ كَالنُّسْخَةِ الْمُخْتَصَّةِ أَوْ كَالزَّبْدِ مِنْ الْمَخِيضِ أَوْ كَالدُّهْنِ مِنْ السِّمْسِمِ، بَلْ هُوَ مُظْهَرُ سِرِّ الْوُجُودِ، وَزُبْدَةُ امْتَخَاضُ الْكَوْنِ وَعَلَى وُجُودِهِ مُعَوّلُ سِرِّ التَّضْمِينِ بِمَا فِيهِ مِنْ سِرّ مَكِّنُونَ.
وَقُلْتُ نَظْمًا فِي ذَلِكَ:
وَفِي نَشْأَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ كُلُّ عَالَمٍ | مِنَ الْأُفُقِ الْأَعْلَى إِلَى مُنْتَهَى الْأَرْضِ | |
فَمَنْ سِرّ فَيْضِ الْعَقْلِ قُوَّةٌ عَقْلَهُ | وَمِنْ فَيْضِ ذَاتِ النَّفْسِ ذَاتٌ لَهُ تُرْضِي |




