هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مُنَافَاةٌ فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِالْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ السَّمَاعِي﴿1﴾ وَالثَّانِي مِنْ حَيْثُ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ أَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ، وَأَجَلُ الْعُلُومِ وَأَلْطَفُهَا، وَلَمَّا كَانَتْ نَفْسُ الْإِنْسَانِ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ وَأَوَّلُ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِمَعْرِفَتِهَا عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى، فَيَفُوزُ لَدَيْهِ كَانَتْ أَوْلَى أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَتِهَا فَهِيَ مِعْرَاجُهُ إِلَى مَا فَوْقَهَا، وَهِيَ أَوَّلُ بَابِ عَالِمِ الْمَلَكُوتِ.
وَقَدْ قِيلَ مَا أُنْزِلَ اللَّهُ تَعَالَى كِتَابًا إِلََّا فِيهِ "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ اعْرِفْ نَفْسَكَ تَعْرِفْ رَبَّكَ"
وَقَدْ قَالَ السَّيِّدُ الرَّسُولُ عَزَّ عِزُّهُ رَمْزًا إِلَى تَعْلِيمِ السُّلُوكِ طَرِيقَ الْمَعْرِفَةِ: ابْدَأُ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ.
وَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: أَعْرِفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرِفُكُمْ بِرَبَّهِ.
وَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ.
وَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاللَّهِ، وَأَشْدُّكُمْ مِنْهُ خَشْيَةً فَذَكَرَ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ بِلَفْظَةِ التَّفْضِيلِ الْمُبَالَغَةِ، إِذْ تَقُولُ الْعَرَبُ فُلَانٌ عَارِفٌ بِالشَّيْءِ وَفُلَانٌ أَعْرَفُ




