فَصْلٌ
فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَيْنَا مُعْتَرِضٌ وَقَالَ: أَنْتُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ تَسْتَحِيلُ غَيْبَتُهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ ظُهُورُهُ، وَنَحْنُ الْآنَ لَا نَرَى وَلَا نُشَاهِدُ شَيْئًا، فَكَيْفَ هَذَا وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ ظُهُورٌ وَغَيْبَةً قُلْنَا: أَوْرَدْتَ مَا اشْتَكَّلَ عَلَيْكَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ سَهْلٌ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى.
اعْلَمْ أَيُّهَا الْأَخُ الْمُعْتَرِضُ، وَفَقَكَ اللَّهُ لطَاعَتَهُ، وَأَوْصَلَكَ بِهِدَايَتِهِ إِلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهِ: أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى ظَاهِرًا أَبَدًا، مَوْجُودًا سَرْمَدًا، لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ لِعَظَمَةِ كِبْرِيَائِهِ، فَلَوْ حَجَبَهُ شَيْءٌ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَكْبَرَ مِنْهُ وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَكْبَرُ مِنْ شَيْءٌ﴿1﴾ وَمِنْ بَعْضِ صِفَاتِهِ النُّورُ، وَهُوَ مُنَوّرُ كُلٌّ نُّورِ﴿2﴾ وَبِالنُّورِ يَظْهَرُ كُلُّ مَسْتُورٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اخْتِفَاءُ النُّورِ؟ وَإِنَّمَا خَفِيَ عَنِ الْمَحْجُوبِينَ عَنْهُ بِعَيْنِ مَا ظَهَرَ لِلْمُشَاهِدِينَ لَهُ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ، وَإِفْرَاطِ إِشْرَاقِ نُورِهِ، وَإِنَّمَا الْمَحْجُوبُونَ هُمُ الْمُغَيَّبُونَ عَنْهُ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي رَانَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَأَغْشَتْ أَبْصَارُهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَشَاهَدَتْ بَارِيهَا فَإِنّهُ تَعَالَى بِالْإِجْمَاعِ يَرَى بِالْآخِرَةِ.




