الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي بَيَانِ إِثْبَاتِ وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِنْسَانِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الرَّشْيدِ.
وَفِيهَا ثَلَاثُ تَنْبِيهَاتٍ.
التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِإِيجَادِ الْخَلْقِ.
اِعْلَمُوا إخْوَانِي رَحِمَكُمُ اللَّهُ، إِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ أَنَّ دَاؤُودَ النَّبِيَّ عَزَّ عِزُّهُ سَأَلَ رَبُّهُ﴿1﴾ فَقَالَ: يَا رَبِّ لِمَ خَلَقْتَ الْخَلْقَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَتَعَرَّفْتُ إِلَيْهِمْ، فَبِي عَرَفُونِي. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾﴿2﴾ أَيْ لِيَعْرِفُوني، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَوْزِهِمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَجَاتِهِمْ مِنْ النَّارِ وَلَهَذا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تَرْجِعُونَ﴾﴿3﴾
فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي إِيجَادِ الْخَلْقِ لِلْمَعْرِفَةِ بِقُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ مِنْ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ فِي إِيجَادِهِمْ، وَلَا عَنْ عَبَثٍ فِي إِيجَادِهِمْ لِأَنَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ غَنِيٌّ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَبَثِ إِذْ




