كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَمَا ظَنُّوهُ بَشَرًا وَاسْتَخَفُّوهُ﴾﴿1﴾ فَقَالُوا ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتْبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾﴿2﴾ أَيْ تَعَبٍ وَعَنَاءٍ فِي النَّارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى أَوْجَدَ الْمِيمَ مِنْ مَادَّتَيْنِ، رُوحَانِيَّةٌ نُورَانِيَّةً وَجُسْمَانِيَّةً بَشَرِيَّةٌ، فَيُقَابِلُ بِرُوحَانِيَّتِهِ عَالَمُ الرُّوحَانِيِّينَ، وَيُقَابِلُ﴿3﴾ بِمَادَّةِ بَشَرِيَّتِهِ عَالِمَ الْبَشَرِ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ، وَهُوَ كَهْمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾﴿4﴾ فَيُجَانِسُهُمْ وَيُشَاكِلُهُمْ بِمَا يُمَاثِلُهُمْ، لِأَنَّهُ لَوْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ فِي هَيْئَتِهِ الرُّوحَانِيَّةِ لَمَا أَطَاقُوا مُقَابَلَتَهُ، وَلَمْ يَفْهَمُوا عَنْهُ مَا يُوحَى، وَلِهَذَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾﴿5﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾﴿6﴾
لِيُثْبِّتَ بِهِ عِنْدَ التَّجَلِّي صِفَاتُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَيُطِيقَ﴿7﴾ بِهِ مُشَاهَدَةُ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَيَتَلَقَّى بِهِ أَنْوَارَ الْأَسْرَارِ الْفَرْدَانِيَّةِ، وَيَسْمَعُ بِهِ خِطَابُ الْإِشَارَاتِ




