الْحَقِّ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ظَهَرَ الْحَقُّ تَعَالَى بِالصُّورَةِ لِإِثْبَاتِ وُجُودِهِ، وَعِيَانِهِ، وَتَيَقُّنِهِ لأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّهُورِ، يُوشِكُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْئًا، بَلْ إِنَّمَا الصُّورَةُ الَّتِي أَظْهَرُهَا لِلْخَلْقِ هِيَ هُوَ إِثْبَاتًا لِوُجُودِهِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ الْعَالِمُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ شَاكِلَتُهُمْ، كَالنَّاظِرِ فِي الْمَرْأَةِ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ لعَالَمِهِ بِالصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ الْمُؤَانَسَةُ الْمُجَانَسَةُ بِالْأَسْمَاءِ، وَالصِّفَاتِ، وَالِاحْتِجَابِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ وَأَظْهَرَ أَكْلَ الطَّعَامِ وَشُرْبُ الشَّرَابِ مِنْ حَيْثُ نَاسُوَتِيَّتُهُ للْعَالَمِ، لِيَقْرُبَ مِنْ عُقُولِهِمْ وَلَوْ ظْهَرَ لِلْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ لَاهُوتِيَّتَهُ لِمَّا امْكَنَهُمْ الثُّبُوتُ لِرُؤْيَتِهِ بِاللَّاهُوتِيَّةِ وَإِنَّمَا ظَهَرَ كَذَلِكَ لِيُأنِسَ الْخَلْقِ، وَهُوَ تَعَالَى يَجَلُّ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنّمَا أَوْرَى ذَلِكَ الظُّهُورَ إِثْبَاتًا لِحُجَّتِهِ، فَيَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ بَاطِنٌ وَأَنْ ظَهَرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ بَطَنَ، حَاضِرًا فِي غَيْبَتِهِ، غَائِبٌ فِي حُضُورِهِ لِشِدَّةِ نُورِهِ.
فَمَنْ كَانَ الْحَقُّ مِرْآتَهُ يَرَى ظُلْمَةَ الْكَوْنِ مَنْ وَرَاءَ نُورٍ مِرْآةِ الْحَقِّ، وَتَكُونُ ذَاتُهُ دَائِمَةٌ الْمُشَاهَدَةِ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ "بِأَنَّهُ أَبْيَضُ الْوَجْهِ فِي الدَّارَيْنِ" فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَقَرِّبُ بِالْفَرَائِضِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُتَقَرّبُ بِالنَّوَافِلِ.




