فَقَدْ أَبَانَ بِأَنَّهُ تَعَالَى يَظْهَرُ بِأَيِّ صُورَةٍ شَاءَ﴿1﴾ مِمَّا يُعْرَفُ وَمِمَّا يُنْكِرُ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا اتِّحَادٍ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَجْسَامِ وَذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بَاطِلٌ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى كُلِّ حَادِثٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَعْقُولِ حُلُولِه فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ، فَإِنَّ الْمَحَلَّ أَيْ الْحَالَ تَبَعًا للْمَحَلِّ، فِي كُلِّ الْأُمُورِ﴿2﴾ وَوَاجِبُ الْوُجُوبِ لِذَاتِهِ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الْحُلُولُ وَقَدْ بَرْهَنَا أَنَّ الْإِتْحَادَ مُحَالٌ.
وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى نَفْيِ اعْتِقَادِ الْحُلُولِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالتَّجَلِّيَاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الصُّوَرِ قَوْلُ الرَّسُولِ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا خَلَقَ آدَمَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا صُورَةَ الذَّاتِ لِأَنّ الذَّاتَ عَارِيَّةٌ عَنِ الْمَادَّةِ، وَلَا صُورَةَ لَهَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ التَّجَلّي بِالْكَمَالِ، كَمَا تَجَلَّى جِبْرَائِيلُ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ، وَغَيْرِهَا مِنَ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ كَتَمَثُّلِهِ لِلْأَعْرَابِيِّ وَلِمَرْيمَ بَشَرًا سَوِيًّا، حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ الْأَعْظَمَ عَزَّ عِزُّهُ رَآهُ مِرَارًا كَثِيرَةً فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَمَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ، عَلَى مَا نُقِلَ وَأَنَّ تَمَثِّلَهُ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ لَيْسَ يَعْنِي إِنَّ ذَاتَهُ انْقَلَبَتْ صُورَةُ دِحْيَةَ، انَّمَا ظَهَرَ




