مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَوْ كَانَ يَكْفِي الْقَادِرُ ثُبُوتِ الْقُدْرَةِ لَهُ، أَنَّهُ قَادِرٌ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ عَلَى بَعْضِ الْمَقْدُورَاتِ، لَكَانَتْ قُدْرَتُهُ فِي بَعْضِ الْمَقْدُورَاتِ﴿1﴾ لَيْسَتْ بِالْفِعْلِ هَذَا إِذَا أَسْتَمِرُّ عَلَى أَنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الظُّهُورِ الَّذِي نَزَّهَ عَنْهُ قُدْرَةً بِالْقُوَّةِ ابِدًا، لَكِنَّهُ يَسُوقُ مَا وُقّتُ إِلَى مَا قَدَّرَ فَيُعْطِي الْأَشْيَاءَ وَأَوْقَاتَ الْأَشْيَاءَ﴿2﴾ وَيَظْهَرُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، يَتَفَصَّلُ﴿3﴾ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَتْنَاهُی تَفْصِیلاً غَيْرُ مُتَنَاهٍ فَصَحَّ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْكَامِلَةَ هِيَ الَّتِي تَقْتَضِي ظُهُورَ الْقَادِرِ الْكَامِلِ بِالْعَجْزِ وَالْمُعْجِزِ ظُهُورًا يَشْهَدُ إِنَّ الْقَادِرَ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَظْهَرَ بِالْعَجْزِ وَالْمُعْجِزِ.
فَالْمَوْلَى عَزَّ عِزُّهُ أَظْهَرُ الْعَجْزِ كَمَا أَظْهَرَ الْمُعْجِزُ لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَالْخَلْقُ الْمَمْزُوجُ رَأَوْا ذَلِكَ عَجْزًا مِنْ حَيْثُ عَجْزُهُمْ، وَأَهْلُ الصَّفْوَةِ وَالْبَصَائِرِ رَأَوْا ذَلِكَ قُدْرَةً وَحِكْمَةً مِنْ حَيْثُ دَرَجَاتُهُمْ وَمَنَازِلُهُمْ سَلَامَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
فَالْمَحُوا إِخْوَانِي هَذِهِ السِّرِيرَةُ الْخَفِيَّةَ﴿4﴾ فَإِنَّهَا سِرُّ الْإِيْمَانِ، وَهِيَ أَوَّلُ دَرَجَةٍ مِنْ مَعَارِجِ اللَّازِمِة لِلتَّقَى﴿5﴾ وَلَا يُدْرِكُهَا إِلَّا مَنْ هُوَ صَافِي الْأَلْمَعِيَّةِ.




