وَلَكِنِّي أَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ أَوَّلًا ظُهُورُ الْمَعْنَى بِذَاتِهِ لِيَعْبُدُوهُ، وَحْدَهُ بِلَا شَرِيكٍ لِكَوْنِهِ يَسْتَحِيلُ غَيْبَتُهُ عَنْ خَلْقِهِ، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَدَمُهُ وَجَبَ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَنْ يَظْهَرَ لِكُلِّ جِنْسٍ كَجِنْسِهِ، إِينَأسَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَلْبِيسًا عَلَى الْجَاحِدِينَ الْمُنْكِرِينَ، لِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلِى الْإِطْلَاقُ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَهُوَ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ بِصُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَا صُورَةَ لَهُ وَلَا قَيَّدَتُهُ صُورَةً مَا لَمْ يَكُنْ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مَعَهَا فَقَطْ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ عَيْنُ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى تَقْيِيدِ الشَّيْءِ وَتَعْيِينِهِ، فَانَ هَذَا لَا يَجُوزُ الْإِشَارَةُ إِلَيَهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّدُ بِصُورَةٍ.
وَفِي هَذَا خَبَرُ رَوَتْهُ الثُّقَاةِ عَنْ مَوْلَانَا عَزَّ عِزُّهُ إِنّهُ قَالَ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ أَمْرِهِ لَمَا جَهَلَهُ أَحَدٌ، وَلَوْ أَرَادَ سَتْرَهُ لَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنْ أَظْهَرَهُ مَسْتُورًا وَسَتَرَهُ ظَاهِرًا، وَجَعَلَ لِلظُّهُورِ عَلَامَةً، وَلِلسَّتَرِ عَلَامَةٌ، فَالْقُدْرَةُ عَلَامَةُ الظُّهُورِ وَالْعَجْزِ عَلَامَةُ السَّتْرِ. فَالْكَافِرُ يَعْتَبِرُ الْقُدْرَةَ سِحْرًا، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَعْتَبِرُ الْقُدْرَةَ سِحْرًا، إِذْ هُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَيَعْتَبِرُ الْعَجْزَ ايْضًا قُدْرَةً، وَيَجْعَلُهُ تَلْبِيسًا عَلَى الْجَاحِدِينَ، انْ الْكَافِرَ اعْتِبَارُهُ بِالْعَجْزِ إِذْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، وَيَجْعَلُ الْقُدْرَةَ سِحْرًا، فَإِذَا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ وَتَحَقَّقْتُمْ إِنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ عَلَامَةُ الظُّهُورِ، كَمَا ذَكَرْنَا لَا شَكَّ فَأَعْلَمُوا "إِنَّ الْعَجْزَ مِنْ الْقَادِرِ قُدْرَةٌ" إِذْ لَوْ كَانَ الْمُنَزَّهُ عِنْدَنَا غَيْرَ مُتَمَكّنٍ مِنْ الظُّهُورِ بِالْعَجْزِ، لَمْ يَكُنُّ قَادِرًا مِنْ حَيْثُ الظُّهُورُ بِالْعَجْزِ فَمَا يَكُونُ قَادِرًا




