صَاحِبِ هٰذِهِ الدَارِ تَغَيَّرَ عَنْهُ، وَقَدْ غُلِقَ بَابُهُ، وَلَيْسَ يُخَاطِبُ إِلَّا مَنْ اِخْتَصَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ الرَجُلُ: يَا هٰذَا، قَدْ أَمْسَيْتُ وَلَسْتُ أَعْرِفُ فِي هٰذِهِ البَلْدَةِ مَنْ أُدَلُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَدَعَنِي أَنَامُ عِنْدَكَ فِي دِهْلِيزِ الدَارِ، فَإِذَا أَسْفَرَ الصُبْحُ مَضَيْتُ، فَاِفْعَلْ فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ.
فَرَقَّ لَهُ البَوّابُ وَأَدْخَلَهُ إِلَى الدِهْلِيزِ، وَأَظْلَمَ اللَيْلُ، فَأَغْلَقَ بَابَ الدَارِ وَأَوْقَدَ سِرَاجَهُ وَوَطَّئَ فِرَاشَهُ، وَكَانَ البَوَّابُ أَعْوَرَ وَعَلَى عَيْنِهِ عِصابَةٌ، فَحَلَّهَا عَنْ عَيْنِهِ فَقَالَ لَهُ الرَجُلُ لَمَّا أَسْفَرَ الصُبْحُ: كَمْ لَكَ مُنْذُ سُلِبْتَ عَيْنَكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُ سِنِينَ، فَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَعَادَتْ إِلَى حَالِ الصِحَّةِ، فَنَظَرَ البَوَّابُ فَلَمْ يَرَ الرَجُلَ، فَبَقِيَ مَرْعُوبًا وَدَخَلَ إِلَى صَاحِبِ الدَارِ، فَلَمَّا رَآهُ تَعَجَّبَ مِنْهُ، فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِ الفَقِيرِ وَمَا صَنَعَ بِهِ، فَقَالَ: إِنَّا لِلّٰهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، هٰذَا وَاللّٰهِ البَازُ الأَشْهَبُ الَّذِي كُنَّا نَطْلُبُهُ، فَتَابَ الرَجُلُ عَنْ جَفْوَتِهِ وَعَادَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَاِزْدَادَ فِي مُواصَلَةِ الإِخْوَانِ وَبِرِّهِمْ.
فَاِحْذَرْ يَا وَلَدِي كُلَّ الحَذَرِ، وَإِيَّاكَ وَالزُهْدُ فِي المُؤْمِنِينَ، وَاِخْضَعْ لَهُمْ وَلِنْ الكَلامَ، فَقَدْ وَاللّٰهِ نَصَحْتُكَ كَمَا نَصَحُونِي، وَذٰلِكَ فَرْضٌ عَلَيْكَ، وَإِيَّاكَ وَالغَيْبَةَ لَهُمْ، فَقَدْ قَالَ النَبِيُّ عزَّ عِزُّهُ: "الغَيْبَةُ تَنْقُضُ الوُضُوءَ، وَتُفْطِرُ الصَائِمَ".




