﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾(1) فَالْبِضَاعَةُ هِيَ الْعِلْمُ، وَالْمُزْجَاةُ الْقَلِيلَةُ وَهَذَا كَلَامُ إِفْتِقَارٍ وَحَاجَةٍ، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقَ عَلَيْنَا﴾(2) حَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ: لِأَنَّهُ الْخَالِقُ وَهُمْ الْمَخْلُوقُونَ وَهُوَ الرَّبُّ وَهُمْ الْمَرْبُوبُونَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾(3) هَذَا كَلَامُهُمْ لِلْمَعْنَى إِنَّكَ أُمَرْتَ بِالصَّدَقَةِ وَوَعَدْتَ بِالْمُجَازَاةِ عَلَيْهَا لَمَا أَقَرُّوا لَهُ بِالْمَعْنَوِيَّةِ وَأَعْلَنُوا التَّوْحِيدَ.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾(4) أَيْ بِمَعْرِفَتِي وَمَنْزِلَتِهِ مِنِّي، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفُوهُ إِذْ كَشَفَ لَهُمْ، وَفَهِمُوهُ إِذْ أَسْمَعَهُمْ: لِأَنَّ الْأَعْيُنَ لَا تَنْظُرُ إِلَّا بِقَدْرِ طَاقَتِهَا مِنْهُ، وَلَا تُسْمَعُ الْآذَانُ إِلَّا بِقَدْرِ سَعَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ﴾(5) هَذِهِ إِشَارَةٌ مِنْ إِشَارَاتَ التَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(6) وَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ هَذِهِ الْإِشَارَةَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ الْأَحَدُ وَمَا دُونَهُ الْوَاحِدُ فَلَمَّا أَذْعَنُوا بِالتَّوْحِيدِ وَأَقَرُّوا بِه.




