أَبْدَاهُ لَهُ وَفِيهِ مِنْ صُنُوفِ عَوَالِمِهِ وَمُسَوخِهِ وَرُسُوخِهِ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى وَجْهِ مَحَلِّهِ الَّذِي رَقَا مِنْهُ إِلَى الْقُطْبِ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: يَا أَبَا ذَرٍّ ذَرَيْتَ الْعَالَمَ ذَرْوَاً ثَانِياً بِإِيجَادِكَ لَهُمْ مَا أُوْجِدْتَ وَتَبْلِيغِكَ لَهُمْ مَا حُمِّلْتَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو الذَرِّ: يَا سِيدِي لَكَ عَلَيَّ مِنَّةُ ذَلِكَ وَالْفَضْلُ بِهِ فَرَآهُ الْمِقْدَادُ وَقَدْ أَحَلَّهُ سَلْمَانُ مِنْهُ مَحَلًّا عَظِيمًا وَأَبْدَاهُ إِلَى أَنْ نَطَقَ بِنُطْقِهِ عَلَى لِسَانِهِ، فَأَبَدَا ذَلِكَ الْمِقْدَادٌ إِلَى السَيّدِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّدٍ عَزَّ عِّزُه فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءَ ذَا لَهْجَةٍ أَفْصَحَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ. فَاسْتَوْجَبَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ النُّطْقِ وَالْأَلْسُنِ بِمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمَحَالِّ الْعَلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ أَنْ وَصَفَهُ السَيِّدُ مُحَمَّدٌ بِهَذَا الْوَصْفِ إِذْ لَمْ يُحِلِّهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ مَرْتَبَتِهِ وَلَا نَطَق بِهَا كَنُطْقِهِ، وَلَا وَصْفَ شَرْحَ مَا شَرَحَهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَلَا شَاهَدَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ أَحَدٌ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجِ، وَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ خُصَّ بِهَا بِإِرَادَةِ الْمَوْلَى وَتَقْدِيرِهِ فِيهِ، فَكَانَ هَذَا يَا مُحَمَّدُ بْنَ جُنْدُبٍ إِخْتِصَاصُ سَلْمَانَ لِأَبِي الذَرِّ وَتَشْرِيفِهِ وَتَرْتِيبِهِ كَمَا رُتِّبَت الرُّتَب مِنَ الْمَعْنَى إِلَى الْإِسْمِ فَخَصَّ بِهَا أَهْلَ الْمَرَاتِبِ.




