مِنْ بَعْدِ اِنْصِرَافِكَ شَيْءٌ يُسْتَفَادُ، فَتَرَكَنِي وَانْصَرَفَ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَأَخْرَجْتُ الصَحِيفَةَ الَّتِي كَتَبْتُهَا فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لَيْسَ فيها شئ، فَذَهَبْتُ لِأَتَذَكَّرَ ما كُنْتُ حَفِظْتُهُ فَلَمْ أَذْكُرْ مِنْهُ حَرْفًا واحِدًا فَأَقْرَرْتُ بِخَطِيئَتِي وَاِعْتَرَفْتُ بِزَلَّتِي وَبْتُّ واجِمًا، فَلَمّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ إِلَى مَوْلايَ، فَبَدَأَنِي وَحَدَّثَنِي بِالحَدِيثِ مَنْ أَوَّلَهُ إِلَى آخِرِهِ، فَبَكَيْتُ، فَقالَ لِي: "أَبْشِرْ يا عَبْدَ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ تَعالَى إِذا أَحَبَّ عَبْدًا أَدَّبَهُ، وَاِعْلَمْ يا عَبْدَ اللّٰهِ إِنَّ عُنْوانَ الإِيمانِ صِدْقُ مَوَدَّةِ الإِخْوانِ، فَإِذا عَرَفْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا فَلا تَمْنَعْهُ عَنْ وَلِيٍّ لَنا فَتَظْلِمَهُ" ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةٍ رَبَّكَ فَحَدَّثَ﴾(1) وَقالَ عَزَّ عِّزُه: "فَحَدِّثْ بِها مُسْتَحِقِّيهَا".
وَرُوِيَ عَنْ السَيِّدِ الرَسُولِ عَزَّ عِّزُه أَنَّهُ قالَ: "ما أَهْدَى رَجُلٌ أَوْ أَخٌ إِلَى أَخِيهِ أَفْضَلَ مِنْ كَلِمَةِ حِكْمَةٍ يَزِيدُهُ بِها هُدىً وَيَصُدُّهُ عَنْ رَدَىً".
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ المُسْلِمَ هُوَ الَّذِي لَقِيَ السَلامَ يَوْمَ الأَظِلَّةِ، وَلِذٰلِكَ قالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِّزُه: "لَنْ يُؤْمِنَ فِي يَوْمِهِ إِلّا مَنْ آمَنَ فِي أَمْسِّهِ".




