وَجَاءَهُمْ مُوسَى عَزَّ عِزّهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ مُعْظَمُ أَهْلِهِ يَقُولُونَ بِعِلْمِ النُّجُومِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَالسِحْرِ وَالْهَنْدَسَةِ وَ النَّيرَنَجَاتِ(1) لِأَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ لَمْ تَزَلْ مُنْذُ الْأَوَّلَينَ، وَكَانَ الَّذِي وَضَعَهَا إِدْرِيسُ عَزَّ عِزّهُ ثَابِتَةٌ فِي الْعَالَمِ أَحْكَامُهَا وَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهَا وَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ وَتَصِحُّ لَهُمْ حَقِيقَتُهَا، إِلَى أَنْ ظَهْرَ مُوسَى عَزَّ عِزّهُ وَمَعَهُ الْعَصَا، فَبَطَلَتْ بِظُهُورِهِ حَقَائِقُ هَذِهِ الْعُلُومِ، وَتَلَقَّفَتْ الْعَصَا مَا صْنَعُوهُ مِنْ سِحْرِهِمْ، وَدَرَسَتْ تِلْكَ مِنْ عَهْدِ ذَلِكَ الظُّهُورِ وَاضْمَحَلَّ أَهْلُهَا.
وَكَذَلِكَ سَيّدُنَا مُحَمَّدٌ عَزَّ عِزّهُ: كَانَ ظُهُورُهُ فِي زَمَانٍ يُعَظِّمُ أَهْلُهُ أَرْبَابَ الشِّعْرِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَكَانَ شَاعِرُهُمْ إِذَا قَالَ قَصِيدَةً عَلَّقَهَا عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ يَفْتَخِرُ بِهَا، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ يُعَدُّ بِأَلْفِ مُقَاتِلٍ وَعَمْرو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ بِعَشَرَةِ رِجَالٍ مِنْ الْمَذْكُورِينَ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ فَكَّ الْبَعِيرِ يَفْرُكُهُ بِيَدِهِ(2) فَظَهَرَ السَيِّدُ مُحَمَّدٌ عَزَّ عِزّهُ بِالْمُعْجِزِ الْبَاهِرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(3) فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَسَ الْفُصَحَاءُ وَعَجَزُوا أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَجَاءَهُمْ فِيهِ الْخِطَابُ الْمُعْجِزُ بِقَوْلِهِ عَزَّ




