فَقَالَتْ لَهُ كَلِّمْنِي لِئَلَّا أَسْتَوْحِشَ، فَكَانَ يُكَلِّمُهَا وَهِيَ وَرَاءَهُ، فَلَمَّا بَعُدَ عَنْهَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جِبْرِيلَ مِنْهُ السَلامُ: أَنْ اِهْبِطْ وَحَادِثَ الصَّفْرَاءَ لِئَلَّا تَسْتَوْحِشَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ مِنْهُ السَلامُ وَكَانَ يُخَاطِبُهَا بِلِسَانِ مُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ.
قَالَتْ الْعَامَّةُ: فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى النَّارِ وَقَلْبُهُ مَشْغُولٌ بِهَا لِكَوْنِهِ خَلَّفَهَا خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا كَانَ مِنْهَا نَاجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾(1) أَرَادَ بِالنَّعْلِ الزَّوْجَةَ، أَيْ: إِخَلْعُ حُبَّ صَفْرَاءَ مِنْ قَلْبِكَ، هَذَا عِنْدَهُمْ.
وَوَجْهٌ آخَرُ عِنْدَهُمْ: إِنَّ مُوسَى عَزَّ عِزّهُ كَانَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلٌ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْوَادِ الْمُقَدَّسِ الْمُطَهَّرِ أَتَاهُ النِّدَاءَ: وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ لَا تَصْلُحُ أَنْ يُدَاسَ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُوسَى عَزَّ عِزّهُ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا أَرَادَهَا لِأَجْلِ الْآخِرَةِ وَسَبَبَاً يَسْتَوْجِبُ الْإِجَابَةَ وَالتَّوَصُّلَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهَ، فَنَاجَاهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾(2) أَيْ: اخْلَعَ مِنْ قَلْبِكَ حُبَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ




