وَحَرَكَتُهُ عَنْ يُمْنَةِ القَلْبِ لِأَنَّ الْهَوَى المُضادَّ لِلْعَقْلِ هُوَ عَنْ شِمَالِ القَلْبِ وَالْخَيْرُ وَالْعِلْمُ وَالْحِلْمُ وَالتَأَنِّي وَالسَلامَةُ مِنَ العَقْلِ، وَالشَرُّ وَالجَهْلُ وَالفَسَادُ وَالبَطْشُ مِنَ الهَوَى المُتَوَلِّدِ عَنْ يَسْرَةِ(1) القَلْبِ.
وَقَالَ فِيثَاغُورْثُ: إِنَّ الْعَقْلَ ضِيَاءٌ بَسِيطٌ فِي رُطُوبَةٍ بَسِيطَةٍ لَطِيفَةٍ فِي الحَيَوانِ تَجْلُوهَا(2) أَكُفُّ العَقْلَ المُكْتَسَبِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ، فَلَمَّا قَوِيَتْ
هٰذِهِ الأَوْصَافُ المُكْتَسَبَةُ بِالحَواسِّ الخَمْسِ زالَتْ الحُجُبُ فَزَادَ إِشْرَاقُهُ وَعَظُمَ ضِياؤُهُ كَمَا يُجْلَى الجَوْهَرُ فَيُضِيءُ.
مِثْلَ المِرْآةِ وَالسَيْفِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا إِذَا جُلِيَ مِنَ الصَدَأِ الَّذِي قَدْ كَانَ حَجَبَ ضِيَاءَهُ فَيُشْرِقُ جَوْهَرُهُ أَلَا تَرَى إِلَى الأَطْفَالِ أَنَّ فِيهِمْ عَقْلًا طَبِيعِيًّا مَوْلُودَاً عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَهُوَ مَعَ خَلْقِهِ يَزِيدُ بِزِيَادَتِهِ بِالعَادَةِ المُكْتَسَبَةِ فَمَعَ خُرُوجِهِ مِنْ ضِيقِ الأَحْشَاءِ يَرَى وَيَسْمَعُ مَالَمْ يَرَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَيَسْتَوْحِشُ وَيُنْكِرُ، فَيُعْطَى الثَدْيَ فَيَرْضَى بِهِ إِذَا ذَاقَهُ وَيَتَعَرَّفُ بِهِ فَلَا يَزَالُ يَأْلَفُ مَا يَرَى وَيَعْتَادُ مَا يَسْمَعُ، وَيَتَقَرَّبُ إِلَى مَا يُقَادُ حَتَّى يَصِيرَ ذٰلِكَ تَجْرُبَةً وَعادَةً تَنْكَشِفُ بِهَا حُجُبُ عَقْلِهِ الطَبِيعِيِّ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَكْمُلَ نُورُهُ وَيَتِمَّ




