جَلَّ وَعَلَا: ﴿بَدِيعُ السَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرَاً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(1) وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ القَائِلِ: اللّٰهُ شَيْءٌ لَا كَالأَشْيَاءِ، لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ السَيِّدُ مُحَمَّدٌ، نُورٌ كُلُّهُ وَجْهٌ كُلُّهُ، بَصَرٌ كُلُّهُ، سَمْعٌ كُلَّهُ، عِلْمٌ كُلُّهُ قُدْرَةٌ كُلُّهُ، سُلْطانٌ كُلُّهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ صِفَاتِ اللّٰهِ وَأَسْمَائِهِ وَنُعُوتِهِ كَقَوْلِنَا: السَمِيعُ البَصِيرُ القَوِيُّ الشَدِيدُ وَمَا أَشْبَهَ ذٰلِكَ مِنَ الصِفَاتِ وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تَوَلَّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ﴾(2) وَهُوَ العَقْلُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ بِالإِجْمَاعِ أَنَّ البَارِيَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَعَادَ إِلَيْهِ وَلَحِقَ بِهِ مُتَّصِلَاً، وَقَالَ لَهُ: أَدْبِرْ، أَيْ أَظْهِرْ الغَيْبَةَ وَالإِسْتِتَارَ فَكَانَ إِدْبَارُهُ إِقْبَالَاً، وَإِقْبَالُهُ إِدْبَارَاً.
وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ: "إِنَّ الإِخْتِرَاعَ إِنْفِصَالُ الصُورَةِ مِنَ المُصَوِّرِ" لِتَعْرِفَ هٰذِهِ مِنْ هٰذَا، هٰذَا رَبٌّ وَهٰذَا عَبْدٌ، هٰذِهِ أَنْزَعِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وَهٰذِهِ مُحَمَّدِيَّةٌ إِسْمِيَّةٌ، تِلْكَ صِفَةُ الإِلٰهِيَّةِ وَتِلْكَ صِفَةُ الرُبُوبِيَّةِ، هٰذَا بِوَفْرَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَوْقَهُ غايَةٌ، وَهٰذَا أَصْلَعُ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَقْلَاً لِأَنَّهُ سَمَّاهُ وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، وَهُوَ عَقْلٌ مِنْهُ وَلِسانٌ، لِأَنَّهُ سَمِعَ عَنْ اللّٰهِ، وَسَمّاهُ عَقْلًا لِأَنَّهُ عَقِلَ عَنْ مَعْنَاهُ، وَهُوَ المُؤَدِّي عَنْهُ لِأَنَّ المَعْنَى تَعَالَى وَتَقَدَّسَ يَنْطِقُ مِنْهُ فَيَكُونُ إِلٰهَاً لَهُ وَهُوَ عَرْشُهُ لِأَنَّهُ عَرَّشَ حَقِيقَةَ المَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ العَارِفِينَ بِضِيَاءِ




