لَمَّا تَجَلَّى الْمَعْنَى الْقَدِيمُ الْأَزَلُ بِالصُّورَةِ الْيُوسُفِيَّةِ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ لَمْ تَكُنْ تَبْدُو مِنْهُ دَلَالَةً بَاهِرَةً وَلَا عَلَامَةٌ قَاهِرَةٌ، فَخَفِيَ أَمْرُهُ عَلَى سَائِرِ الْعَوَالِمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ بَشَرٌ كَالْبَشَرِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ هُوَ الْقَاهِرُ الَّذِي لَا يَتَغيَّرُ.
وَكَانَتْ زَلِيخًا عَلِمْتْ أَنَّهُ الْأَزَلُ الْقَدِيمُ بَعْدَ أَنْ دَلَّهَا عَلَيْهِ الِاسْمُ فَأَذْعَنَتْ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَتَنَزّهَتْ عَنِ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النِّسْوَةَ وَهُمْ النُّقَبَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ الْقَوْلُ، فَأَظْهَرُوا اللَّوْمَ لَهَا وَقَالُوا لَهَا: ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾(1)
أَيْ أَنَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ بَشَرٌ ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمُكْرِهِنَّ﴾(2) أَيْ بَشَكِّهِنَّ أَرْسَلْتْ لَهُنَّ رَسُولاً، فَالرَّسُولُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ الْمِقْدَادُ، لِأَنَّ اقْتِبَاسَ النُّقَبَاءِ مِنْهُ وَأُعَدَّتْ لَهُمْ مُتَكَئَاً، وَالْمُتَّكَأُ هُوَ عِلْمُ الْبَاطِنِ.
وَالشَّاهِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانَ﴾(3)
وَقَالَ مَوْلَانَا الْبَاقِرُ عزَّ عِزُّه: هُمْ الْأَيْتَامُ مُخَوَّلِينَ(4) فِي عِلْمِ الْبَارِي وَمَوَصِلُهِمْ إِلَى عِلْمِ الحِجَابِ.




