بِرُوحَانِيَّةِ الْقُدْسِ فَحَصَلَ عَارِفًا وَبِهَا قَدْ شَاهَدَهُ، وَمِنْ بَعْدِهِ الْمُقَدَّسُ بِالتَقْدِيسِ لَمَّا عَرَفَ قَدْسَهُ قُدْسَتْهُ الْمَعْرِفَةُ فَأَوْصَلَتْهُ الْحَقِيقَةُ وَمِنْ بَعْدِهِ السَائِحُ الَّذِي سَاحَ فِي عِلْمِ الْمُلَكُوتِ، وَمِنْ بَعْدِهِ الْمُسْتَمِعُ الَّذِي لَمَّا سَمِعَ دَعْوَتَهُ لَبَّاهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَنَاجَاهُ بِالرُبُوبِيَّةِ، وَمِنْ بَعْدِهِ اللَّاحِقُ الَّذِي لَمَّا رَآهُ حَقَّقَ الْوُجُودَ بَاقِيًا وَأَثْبَتَ الظُهُورَ كَامِلًا فَلَحِقَ بِنُورَانِيَّةِ اللَّاهُوتِ مُتَّصِلًا طَائِعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ ظَاهِرًا فِي سَمَاوَاتِهِ بِالصُورَةِ الْأَنْزَعِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَتَغَيَّرْ وَلَمْ تَضْمَحِلَّ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا يَكُونُ وَيَحْدُثُ إلَى حِينِ الظُّهُورِ.
ثُمَّ أَظْهَرَ مَوْلَاك الظُهُورَ الْبَشَرِيَّ وَأَظْهَرَ الْقِبَابَ وَشَرَعَ الشَرَائِعَ وَأَوْجَدَ الْمِلَّةَ وَالْأَدْيَانَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي تَبْدُو، فَإِفْهَمْ ذَلِكَ يَا أَبْنَ جُنْدُبٍ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَطَلَبِ حَقِيقَةِ الْحَقِّ، فَقَدْ أَخَذْتُ عَلَيْك الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، وَاجْعَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ اجْتِمَاعًا وَلِيُظْهِرُوا السُرُورَ وَالْفَرَحَ وَيَتَصَدَّقُوا وَيَتَوَاصَلُوا وَيَقْرَؤُوا فِيهِ الْعُلُومَ الْبَاطِنَةَ وَالظَّاهِرَةَ، وَلْيَتَّخِذُوا مِنَ الْمَاءِ النَيْسَانِيِّ(1) مَا يَرُشُّونَهُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَأَثْوَابِهِمْ، وَلْيُطَهِّرُوا قُلُوبَهُمْ وَيَكْتِمُوا دِينَهُمْ وَلَا يُذِيعُوا سِرَّ ذَلِكَ إلَى الْحَرَمِ، فَمُحْرَمٌ عَلَيْهِمْ التَّوْحِيدُ، وَلْيَكُنْ الْمَاءُ مِنَ السَمَاءِ فَهُوَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ




