مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الرِّسَالَةُ الْمَسِيحِيَّةُ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجِلِّيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 4 من 37

مَوَادُّ الْحِكْمَة وَهُوَ أَصْلُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا الَّتِي أَظْهَرَ مِنْهَا الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ وَابْتِدَاءِ كُلِّ حَرَكَةٍ وَهُو النُّقْطَةُ الَّتِي نَشَأَ مِنْهَا الْعَدَدُ كَنُقْطَةِ البيكار.

لِأَنّ الْأَبَدَ مُخْتَرَعٌ مِنْ نُورِ ذَات الْأَزَلِ بِلَا تَبْعِيضٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ وِلَادَة مِنْ سَيِّدِةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ عَزَّ عِّزُها وَإِنَّمَا هِيَ سَتْرٌ عَلَى ظُهُورِ الصُّورَةِ الْجُسْمَانِيَّة، وَالصُّورَةُ غَيْرُ كليّةً، لأنّ الصُّورَةَ مَحْدُودَةٌ مَحْسُوسَةٌ مَدروكةٌ وَرُوحُ الْقُدْسِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ وَلَا مَحْسُوسَةٍ وَلَا مَدْرُوكَةٍ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ بِالصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَهِيَ نُورَانِيَّةٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَأْنِيساً لِخَلْقِهِ وَرَحْمَةً لَهُمْ وَإِشْفَاقاً عَلَيْهِمْ، إِذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي إِسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا لَهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَلَوْ بِالْكَمَالِ ظَهَرَ وَبِنُورَانِيَّتِهِ لَأَطْفَا نُورَهُ الْأَبْصَارَ وَالْأَنْوَارَ مِنْ عِظَمِ نُورِهِ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ فِي الْحِكْمَةِ وَلَا ثَابِتٌ فِي الْعَدْلِ وَهُوَ تَعَالَى بمَوْلَاهُ الْأَزَلُ لَا مَوْصُولٌ وَلَا مَفْصُولٌ، لَا نَازِحَ عَنْهُ، وَلَا مَلْمَّ بِهِ بَلْ هُوَ مِنْهُ بِمَعْنَى الْجُزْءِ مِنْ الْكُلِّ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا مَعْنَى لَا مَوْصُولٌ وَلَا مَفْصُولَ؟

قُلْنَا: لَا مَوْصُولَ حَتَّى أَنّهُ هُوَ، وَلَا مَفْصُولٌ حَتَّى أَنّهُ غَيْرُهُ وَلَا مُقَابِلِهُ، وَلَا نَاءٍ عَنْهُ وَلَا مِلْمٍّ بِهِ.

الصفحة 4 من 37