"وَكُلَّمَا وَقَعَتْ الْغَايَةُ عَلَيْهِ رَأَيْتُ نَفْسِي صَغِيرَةً" أَيْ كُلَّمَا وَصَفْتُ الْمِيمَ بِهِ وَجَدْتُ نَفْسِي أَيْ حَقِيقَتِي كَنُقْطَةٍ مِنْ بَحْرٍ وَلَسْتُ أَدْرَكُ ظَاهِرَهُ فَضْلَاً عَنْ بَاطِنِهِ "فَنَادَاهُ مَوْلَاهُ الْمِيمُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَجْعَلَنَّكَ بَابَاً لِوَحْدَانِيَّةِ عِلْمِي" فَالْعِلْمُ كُلُّهُ صَادِرٌ عَنْهُ مِنْ حَدَثِ الْحِجَابِ "ثُمَّ عَطْفَ مِنْ الْأَوَّلُ إِلَى الْآخَرِ" فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَدَمُ إِلَى الْآخِرِ هُوَ الْحَدَثُ، أَيْ نَظْرَةُ الْخَلْقِ لَهُ، كَمَا تُعْطَفُ الْيَاءُ الَّذِي هِيَ شَخْصُ الْبَابِ لِلْأَلِفِ الَّذِي أَوَّلُهَا فَالْبَابُ مَرْكَزُ الْعُلُومِ وَالْأَلِفُ هُوَ الْمُمِدُّ لِعَوَالِمِ الْقُدُسِ، وَقَوْلُهُ: "فَأَوْرَدَ الدَّاعِي" أَيْ الْمَخْلُوقَ، أَنْ يَدْعُوَ مِثْلَ قَوْلِهِ: "يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ بِالْيَاءِ يَبْدَأُ وَبِالِاسْمِ يَنْثَنِي وَلِلْمَعْنَى يَدَّعِي وَيُنَاجِي" أَقُولُ: فَالْيَاءُ هِيَ صُورَةُ النُّطْقِ وَالِاسْمُ بَاطِنُ النُّطْقِ وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَدْعُوُّ، فَهَذَا سَبِيلُ الْعَارِفِينَ الْمُوَحِّدِينَ بِمَعْرِفَةِ مَوَاقِعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
لِقَوْلِ ابْنِ شُعْبَةَ قَدَّسَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأُصَيْفِرِ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَارِفُ عَارِفَاً لِأَنَّهُ عَرَفَ اللَّهَ مِنْ جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ.
وَقَوْلُهُ عزَّ عِزُّه: "فَالْيَاءُ مُنْكَشِفَةٌ وَالْأَلِفُ أَوَّلُهَا وَهُمْ مُشْتَمِلَانِ عَلَيْهَا" عَنَى بِهَا الصُّورَةُ الَّتِي تُطْلَبُ مَعْرِفَتُهَا بِحَقَائِقِ الْعُلُومِ لِأَنَّ الْبَابَ هُوَ صُورَةُ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَلِفُ أَوَّلُهَا، وَقَوْلُهُ عزَّ عِزُّه: "فَالْبَابُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ بِمَا يَمُدُّهُ سَيِّدُهُ" أَيْ الْمِيمُ "وَجَلَالَةُ الْجَبْرُوتِ" هُوَ عِلْمُ السَيِّدِ الْمِيمِ بِمَا أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ.




