الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْغَايَاتِ ذُو الْجُودِ أَيْ فِي ظُهُورِهِ كَاسْمِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بضْنِينَ﴾(1)
وَقَوْلُهُ عزَّ عِزُّه: "وَقَدْ سَأَلْتَنِي يَا مُفَضَّلُ عَنْ الْمَشِيئَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ شَاءَ أَنْ يُبْدِيَ مَشِيئَتَهً وَلَمْ يَزَلْ بِهَا عَالِمَاً، فَكَانَتْ الْمَشِيئَةُ إِرَادَةً مِنْ غَيْرِ هِمَّةٍ وَلَا حُدُوثٍ وَلَا فِكْرٍ وَلَا انْتِقَالِ حَرَكَةٍ إِلَى سُكُونٍ وَلَا سُكُونٍ إِلَى حَرَكَةٍ".
أَقُولُ: إِنَّ جَوَابَ الْإِمَامِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ فَهُوَ مُحْكَمٌ لِأَنَّ اللَّهَ شَاءَ أَنْ يُبْدِيَ الْمَشِيئَةَ وَالَّتِي هِيَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهَا أَيْ مُحِيطٌ بِهَا إِحَاطَةً كُلِّيَّةً وَإِرَادَةً مَعْنَوِيَّةً مِنْ غَيْرِ هِمَّةٍ وَلَا حُدُوثٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ لِذَاتِ الْمُكَوِّن مِنَ المُكَوَن وَلَا يُحِيطُ بِهِ فِكْرٌ وَلَا انْتِقَالُ حَرَكَةٍ فَالْحَرَكَةُ هِيَ الْفِعْلُ وَالسُّكُونُ بَاطِنُ الْفِعْلِ وَبَاطِنُ الْفِعْلِ هُوَ الْفَاعِلُ، فَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَا تَلِيقُ بِحَضْرَةِ الْحَقِّ تَعَالَى لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يُدْرِكُ مَعْنَاهُ بَلْ الِاسْمُ يُدْرَكُ مَنْ دُونَهُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ دُونِهِ فَهُوَ الَّذِي صَنَعَهُ بِأَمْرِ بَارِيهِ.
وَقَوْلُهُ: "وَكَفَاكَ إِنَّهُ لَمْ يُظْهِرُ الْمَشِيئَةَ الَّتِي هِيَ اسْمُهُ لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ وَلَكِنْ بِطَبْعِ الْكِتَابِ الْحَمِيدِ بَدَتْ الْحِكْمَةُ إِظْهَارَ مَا فِيهِ لِلْعِيَانِ، وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْ غَامِضِ عِلْمَهُ إِلَى وُجُودِ مُعَايَنَتِهِ لَكَانَ الْمُلْكُ نَاقِصَاً وَالْحِكْمَةُ غَيْرُ




