الْخَوَاطِرِ وَالْأَفْهَامِ لِنَحوِ مَعْرِفَةِ الْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ فِهنَا عَدَمَ الْإِدْرَاكِ، افْهَمْ مَا نَعْنِي أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُجْدُ لِتَحْرِيرِ مَفَاهِيمِ الْأَسْرَارِ وَمَوَاقِعِ التَّجْرِيدِ وَالْإِفْرَادِ.
"لَيْسَتْ كُلَّ الْبَارِي" أَيْ مَهْمَا رُوِيْتُ وَرَأَيْتُ وَحَفِظْتُ مِنْ الْأَسْرَارِ وَحَقِيقَةُ الْعِرْفَانِ تَبْقَى جَاهِلاً فِي مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ وَمَعْنَاهَا غَيْرُ الْمَدْرُوكِ وَجَلَّ عَنْ الْإِحَاطَةِ.
"وَلَا الْبَارِي غَيْرُهَا" يَعْنِي الصُّورَةَ وَالذَّاتَ وَهُمَا حَدّانِ مَعْلُومٌ وَمَجْهُولٌ لِقَوْلِ الْعَالِمِ عزَّ عِزُّه: "الْبَارِي لَهُ حَدَّانِ حَدٌّ مَعْلُومٌ وَحَدٌّ مَجْهُولٌ" فَالْمَعْلُومُ هُوَ مَا أَظْهَرَهُ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ وَالْمَجْهُولُ هُوَ مَا بَطَنَ مِنْهَا، فَكُلُّ مَا شَاهَدَهُ الْخَلْقُ فَهُوَ مَعْلُومٌ وَكُلُّ مَا بَطَنَ عَنْهُمْ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَا يَلِيقُ بِالْمَعْنَى الْقَدِيمِ هَذَا الْوَصْفُ.
"وَهِيَ هُوَ" عَنَى بِهَا مِنْ حَيْثُ الْإِثْبَاتُ لِوُجُودِهِ لِلْخَلْقِ كَالْخَلْقِ، فَهُوَ مَوْجُودٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ سِوَى تَقْيِيدِهِ بِالْأَشْيَاءِ وَلَا هُوَ شَيْءٌ مِثْلُهُمْ، لِقَوْلِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ وَجِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ وَنُورٌ لَا كَالْأَنْوَارِ ...الْخِ.
"وَلَا هِيَ هُوَ" عَنَى بِذَلِكَ الصُّورَةَ لَيْسَتْ هِيَ أَفْعَالِهَا وَلَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ لِأَنَّهَا مِنْهُ، لِقَوْلِ الْإِمَامِ عزَّ عِزُّه: "لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ وَلَا




