ذَلِكَ، فَمَشِيئَتُهُ وَإِرَادَتُهُ وَعِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَلُطْفُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْكِيرٍ، فَالْمُبْدِعُ أَجَلُّ مِنَ الْمُبْتَدَعِ، وَالْمُصَوِّرُ أَجَلُّ مِنْ الصُّورَةِ، وَالْقَادِرُ أَعْظَمُ مِنَ الْقُدْرَةِ، وَالْعَالِمُ أَجَلُّ مِنَ الْعِلْمِ.
"وَخَلْقُ الشَّيْءِ" أَيْ بِمَعْنَى قُدْرَةٍ فَهُنَا الشَّيْءُ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ الْفَاعِلُ بِأَمْرِ مَوْلَاهُ جَمِيعَ الْكَوْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾(1)
وَقَوْلُهُ: "الْمِيمُ وَالسِّينُ" فَالْمِيمُ هُنَا هُوَ الْفِعْلُ، وَالسِّينُ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالِاسْمُ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ مِنْ نَوْعَيْنِ: فَالضِّيَاءُ هُوَ نَظْرَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْيَتِيمُ لَهُ مَوْقِعُ الصِّفَةِ الظَّلِيَّةِ فَالظِّلُّ هُوَ نَظْرَتُهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّجْرِيدِ.
وَقَوْلُهُ(2): "وَجَعَلَ بَاطِنَ الضِّيَاءِ النُّورَ، وَبَاطِنَ الظِلِّ الضِيَاءُ، وَالذَّاتُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَاً﴾(3)"
أَقُولُ: وَجَعَلَ بَاطِنَ الضِّيَاءِ النُّورَ فَهَذَا حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْمِيمَ يَعْلَمُ بَاطِنَ السِّينِ الْمَخْلُوقِ مِنْهُ أَيْ فِعْلَهُ بِأَمْرِ مَوْلَاهُ، وَهُوَ مِنْ نُورِ نُورِهِ لَا مِنْ نُورِ ذَاتِهِ




