حَيْثِهِ فَرَأَوْهُ مِنْ حَيْثِهِمْ لِذَلِكَ كَانَتْ الْأَسْمَاءُ حُدُودَ وَالصِّفَاتُ عَبِيدٌ، وَهُوَ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَدْرُوكٌ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَنْهُ بَاطِنٌ، فَالْبَاطِنُ هُوَ مَا تُكِنُّ بِهِ الضَّمَائِرُ، وَلَا هُوَ مَسْتُورٌ وَلَا خَفِيٌّ عَنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ إِذْ هُوَ الطَّفُّ اللَّطَائِفُ وَمَعْرِفَتُهُ نِهَايَةُ الْمَعَارِفِ لِقَوْلِ الْعَالِمِ عزَّ عِزُّه: "إِذَا كَانَ اللَّهُ أَجَلَ الْأَشْيَاءِ فَالْمَعْرِفَةُ بِهِ أَجَلُ الْعُلُومِ".
وَقَوْلُهُ عزَّ عِزُّه: "مَوْصُوفٌ بِأَفْعَالِهِ مَشْهُودٌ بِآيَاتِهِ مَعْرُوفٌ بِظُهُورَاتِهِ". أَقُولُ: فَالْمَوْصُوفُ بِأَفْعَالِهِ هُوَ وَالْمَشْهُودُ بِآيَاتِهِ هُوَ، وَالْمَعْرُوفُ بِظُهُورَاتِهِ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ هُوَ، فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ.
وَقَوْلُهُ عزَّ عِزُّه: "كَانَ قَبْلَ الْقُبُلِ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يُجِيبَ مُجِيبٌ إِذْ لَا أَحَدا غَيْرَهُ، وَقَبْلَ الْمَكَانِ إِذْ لَا مَكَانَ إِلَّا مَكَانَهُ، وَهُوَ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، لَا يَحَولُ عَنْ حَالٍ وَلَا عَمَّا كَانَ مِنْهُ كِيَانُهُ مَا زَالَ(1).
أَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: "كَانَ قَبْلَ الْقُبُلِ" فَالْقُبْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانُ، إِمَّا الْمُخْتَرِعُ وَإِمَّا الْمَكَانُ الْمَخْلُوقُ، لِأَنَّهُمَا بِهِمَا يَلِيقُ الْحَيْثُ وَهُوَ الْمَكَانُ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يُجِيبَ مُجِيبٌ، فَهَذَا يُطْلَقُ عَلَى حَدَثِ الْمَكَانِ وَلَيْسَ عَلَى ذَاتِهِ.




