وَحْيٌ إِلَهِيٌّ وَإِظْهَارُ النُّطْقِ يَقْتَضِي صُورَةً فَهُوَ خَلْقِيٌّ وَلَهُ آلَاتُ النُّطْقِ وَيُسَطِّرُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَادِّيِّ.
وَالشَّاهِدُ بِذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ زَادَانَ مُولى سَلْمَانَ: قَالَ رَأَيْتُ مَوْلَايَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عزَّ عِزُّه بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُسَبِّحُ وَيَقُولُ: "سُبْحَانَ مِنْ ظَهَرَ وَلَمْ يَخَفَ عَلَى أَحَدٍ ظُهُورُهُ" فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ لِمَنْ تُسَبَّحُ وَأَنْتَ الْكُلُّ؟ فَقَالَ: "يَا زَادَانُ إِذَا رَأَيْتَ الصَّمْتَ فَاقْضِ عَلَى غَيْرِي، وَإِذَا سَمِعْتَ النُّطْقَ فَانْفِ عَنّي الصِّفَةَ، وَإِذَا رَأَيْتُ الْقُدْرَةَ فَأَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ".
وَقَوْلُهُ عزَّ عِزُّه: "اعْلَمْ أَنَّ الذَّاتَ تَجِلُّ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ غَيْبٌ مُمْتَنِعٌ وَلَا يَمْتَنِعُ عَنْهُ بَاطِنٌ وَلَا يَسْتَتِرُ عَنْهُ خَفِيُّ الضَّمَائِرِ لَطِيفٌ وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ".
أَقُولُ: قَوْلُهُ: "اعْلَمْ أَنَّ الذَّاتَ تَجِلُّ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ" فَهَذَا الْقَوْلُ أَمْرِيٌ لَمْ يَقَعْ عَلَى سَيِّدِنَا الْمُفَضَّلِ بَلْ عَلَى عَالِمِ الْخَلْقِ تَنْبِيهاً وَتَعْلِيماً لَهُمْ وَهَذَا بِعُرْفِنَا أَهْلَ التَّوْحِيدِ الذَّاتِ عَارِيَةٌ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي حَدِّ التَّوْحِيدِ.
لِأَنَّ الصِّفَاتِ مِنْ شَأْنِ الْخَلْقِ، وَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ الْحَقّ، وَكُلُّ مَا يَصِفُ الْخَلْقَ مَوْلَاهُمْ بِهِ فَهُوَ مَوَاقِعُ إِشَارَاتٍ لِيَصِلُوا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ الْمُتَجَلّي لَهُمْ مِنْ




