وَأَمَّا نُفُوسُ أَهْلِ اَلظُّلْمَةِ فَإِذَا فَارَقَتْ أَبْدَانَهَا وَالْتَحَقَتْ بِالْمُوَاطِنِ اَلَّتِي تَتَّصِلُ مِنْهَا بِعَالَمِ اَلنُّورِ تَغْشَاهَا بِوَارِق اَلْأَنْوَارِ فَتَرْجِعُ عَلَى أَعْقَابِهَا هَرَبًا كَمَا يَهْرُبُ اَلْخُفَّاشُ مِنْ نُورِ اَلشَّمْسِ .
وَلِهَذَا شَوَاهِد مِنْ قَوْلِ اَلْمُوَالِي عزَّ عِزُّهم : مِنْ عَرَفَ اَللهَ بِالنُّورَانِيَّةِ أَمِنَ مِنَ اَلْمَسُّوخِيَّةِ . وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ اَلْمُؤَمَّنُ مُؤْمِنًا مُوَحَّدًا عَارِفًا بِاَللهِ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ لَهُ مَلِكَةُ اَلِانْصِرَافِ عَنْ اَلْعَالَمِ اَلْمُظْلِمِ اَلْكَدَرِ وَالِاتِّصَالِ بِمُجَرَّدَاتِ اَلْأَنْوَارِ ، وَحِينئِذٍ تَنَفُّسُ فِي نَفْسِهِ اَلْحَقَائِقَ اَلْإِلَهِيَّةَ . قَالَ اَللهُ تَعَالَى ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ 1 .
أَرَادَ قَطْعُ اَلنُّفُوسِ عَنْ اَلْعَلَائِقِ اَلْبَدَنِيَّةِ وَاتِّصَالِهَا بِالْعِالْمِ اَلْأَعْلَى اَلَّذِي هُوَ مَرْتَبَةُ اَلْحَيَاةِ اَلْحَقِيقِيَّةِ وَالْبَقَاءِ اَلدَّائِمِ وَالْخُلُودِ فِي اَلنَّعِيمِ اَلْأَبَدِيِّ ، وَلِأَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ دَارُ اَلْأَنْبِيَاءِ وَمَقَرُّ اَلْأَوْلِيَاءِ وَمَنْزِلُ اَلسُّعَدَاءِ ، سَمَّاهَا أَهْلُ اَلتَّوْحِيدِ مُدُنًا وَقِبَابًا وَجَنَّاتٍ ، وَسَمَّوْا أَنْوَارَهَا عُيُونًا وَمِيَاهًا وَأَنْهَارًا وَمَسَاجِدَ وَمَشَاعِر وَأَبْوَابًا وَأَيْتَامًا وَطُرُقَاً وَهُدَاةً. . . إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا أَشَارَتْ بِهِ اَلْمُوَالِي عزَّ عِزُّهم تَلْوِيحًا وَتَصْرِيحًا .




