فَأَمَرَ بِتَجْرِيدِ اَلنَّفْسِ مِنْ عَلَائِقِهَا وَقَطْعُهَا عَنْ شَوَاغِلُهَا ، لِتَكُونَ مُتَهَيِّئَةً مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ مَوَاهِبِ اَللهِ ، لِأَنَّ اَلْمُصَلِّيَ إِذَا أَحْضَرَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْذِكْرِ لِجَلالَةِ اللهِ وَجَبَرُوتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَنَظَرَ إِلَى اَلْمَرَاتِبِ اَلْعَالِيَةِ رُتْبَةً بَعْد رُتْبَةٍ ، وَنَزَّهَ اَللهَ وَأَجْلُهُ وَعَظَّمَهُ عَنِ اَلرُّتْبَةِ اَلْبَابِيَّةِ اَلَّتِي هِيَ مَقَامُ اَلنَّفْسِ اَلْكُلِّيَّةِ وَالْكَلِمَةِ اَلْإِلَهِيَّةِ تَرَقَّى إِلَى رُتْبَةِ اَلْحِجَابِ اَلْأَعْلَى اَلَّذِي هُوَ مَقَامُ اَلْعَقْلِ اَلْكُلِّيِّ ، وَحِينئِذٍ يَتَأَدَّبُ وَيَقِفُ وُقُوفَ اَلْعَارِفْ اَلْمُتَّصِلِ بِاَللهِ اَلْمَشَاهِدِ لِجَلَالِ جَبَرُوتِهِ وَعِظَمِ سُلْطَانِهِ
فَيَكُونُ مُصَلِّيًا عَلَى اَلْحَقِيقَةِ مُتَّصِلاً بِاَللهِ بِمِقْدَارِ طَاقَتِهِ ، وَيَكْثُرُ اِكْتِسَابُهُ مِنْ بَوَارِقِ اَلْأَنْوَارِ وَالْمَوَاهِبِ اَلْقُدْسِيَّةِ عَلَى قُدْرَةِ قُوَّةِ عَقْلِهِ وَاسْتِعْدَادِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ إِذًا مُوَحَّدًا وَمُنَزِّهًا وَمُجَرَّدًا وَمَالِكًا وَعَارِفًا ، وَهَذِهِ رُتْبَةُ أَصْحَابِ اَلِاتِّصَالِ بِاَللهِ اَلَّذِينَ اِتَّسَمُوا بِالْإِيمَانِ .
قَالَ اَللهُ تَعَالَى فِي اَلْإِنْسَانِ ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ 1. وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ اَلْعَيْنَيْنِ لِيَهْتَدِيَ بِهُمَا فِي اَلْأَنْوَارِ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ اَللَّطِيفِ وَالْكَثِيفِ وَجَعْلَ لَهُ اَللِّسَانَ لِيُتَرْجِمَ عَمَّا أَدْرَكَهُ مِنْ اَلْمَعْلُومَاتِ ، وَوَصَلٌ إِلَيْهِ مِنْ اَلْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ




