الْعَصْرَ فِي إِثْرِهَا ثُمَّ ارْتَحَلَ بِنَا. وَإِنِّي جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى بُنْيَانِهِ وَإِلَى تَقْدِيرِ الْحِيلَةِ فِي حَبْسِ الْمَاءِ عَلَيْهِ مَعَ حِذْقِهِ1 فِي خَزْنِهِ عَلَيْهِ وَمَا يَرْمِيهِ مِنْ زَبَدِهِ وَعَجَائِبِهِ، وَأَقُولُ: لَقَدْ كَانَ فِي الْفُرْسِ هِمَمًا وَحِكْمَةً وَهَنْدَسَةً بَلَغَتْ بِهِمْ إِلَى إِحْدَاثِ مِثْلِ هَذِهِ الْعَجَائِبِ، فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَعْجَبُ مِنْ جَرَيَانِهِ وَشِدَّةِ سَطْوَتِهِ، وَعِظَمِ هُبُوطِهِ، وَمَا يَرْمِي بِهِ مِنَ الزَّبَدِ وَالأَمْوَاجِ وَبُعْدِ غَوْرِهِ.
وَإِذَا بِمَوْلَايَ قَدْ وَقَفَ عَلَيَّ وَبِيَدِهِ قِرْبَةٌ كَانَتْ لَهُ أَلْطَافُهَا2 مِنْ أَدِيمٍ يُعَلِّقُهَا مَعَهُ عَلَى فَرَسِهِ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ فِي أَيِّ شَيْءٍ تُفَكِّر وَمِمَّا أَنْتَ تَتَعَجَّب ؟ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ، مِنْ عِظَمِ هَذَا الْقَاطُولِ3، وَفِي مَا يَنْصَبُّ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْعَظِيمِ الَّذِي قَدْ اِنْقَسَمَ مِنْ هَذِهِ الدِّجْلَةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ حَبَسَ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْمَنَعَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْخَلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ وَبَقَاءِ وَثُبُوتِ هَذَا الْمَاءِ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ هِمَّةٌ وَحُنْكَةٌ وَرَأْيٌ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ قُمْ فَامْلِي هَذِهِ الْقِرْبَةَ مِنْهُ وَعَجِّلْ إِلَيَّ بِهَا حَيْثُ كُنْتُ أَنَا ! فَقُمْتُ،




