وَجَعَلَ مَوْلَايَ يَسِيرُ بِنَا مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَايَنْتُ فِيهِ مَا عَايَنْتُ أَوَّلًا، إِلَى أَنْ اِنْتَهَى بِنَا إِلَى قَاطُولِ كِسْرَى
فَنَزَلْنَا عَلَيْهِ، وَكَانَ مَسَافَةُ مَسِيرِنَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مِيلًا، فَمَا رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُلَلًا وَمَا عَايَنْتُهَا إِلَّا مُنْتَظِمَةَ الْقُصُورِ، وَالدُّورِ وَالْمَنَازِلِ وَالأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ وَالْمُنْتَزَهَاتِ، وَازْدِحَامِ الْمَوَاكِبِ وَالرَّكْبِ وَالرِّجَالِ وَالْخَيْلِ وَالضَّوْضَاءِ وَالْمَسَاجِدِ الْمُزَخْرَفَةِ، وَكَثْرَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَإِمْلَاءِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَأَهِلِ الْعِلْمِ وَأَهِلِ نُسُكٍ وَوَقَارٍ يُخَالِطُهُ مِنْ مَوَاضِعٍ أُخْرَى شَتَّى ضَرْبُ الْمَعَازِفِ وَالْقِينَاتِ وَالْفَاتِنَاتِ وَالأَغَانِي وَالطَّرَبُ وَالْمُجُونِ وَاللَّهْوِ وَالنُّزْهَةِ وَالطِّيبُ وَالْفَرَحُ وَكُلِّ قَبِيحَةٍ ظَهَرَتْ مِنْ أَفْعَالِ قَوْمِ لُوطٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَمَا سَبَقَ وَصْفُهُ فِي الأُمَمِ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : جَلَّ مَوْلَايَ وَعَلَا، فَبَيْنَمَا أَنَا اسْتَوْحَشْتُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذُعِرْتُ مِنْهُ لِوَعَارَتِهِ حَتَّى صَارَ بِهَذِهِ الأَوْصَافِ وَالْهَيْئَاتِ وَتَطَاوُلِ الْعِمَارَةِ وَاتِّسَاعِ الْمِلْكِ، فَنَادَانِي مَوْلَايَ: يَا جَابِرُ، مَا عَايَنَ مَا عَايَنْتَهُ أَحَدٌ غَيْرُكَ، وَلَيْسَ هَذَا شَيْءٌ مُكَوَّنٌ




