فَقَالَ مُعَاوِيَةَ: وَيْلَكَ يَا عَمْرُو، مَا الَّذِي دَهَاكَ ؟ قَالَ عَمْرُو: دَهَتْنِي مَشُورَتُكَ أَنْ أَحْمِلَ فِي عَسْكَرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ !
فَقَالَ عَمْرُو: مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ تُعْلِمَ أَهْلَ الْعِرَاقِ -أَنَّكَ مَا بَرَزْتَ إِلَّا لِتُجِيبَنِي أَهْلُ الشَّامِ كُلُّهُمْ عَنِ الْقِتَالِ- وَشَغَلْتَهُمْ بِعَمْرُو حَتَّى لَوْ أَرَادَ عَلِيٌّ أَخْذَكَ وَأَخْذَ عَمْرُو وَالْعَسْكَرَ، لَفَعَلَ بِمَا شُغِلَ النَّاسَ بِي.
فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَكَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ وَلَا عَلَيْكَ وَلَا عَلَى الْعَسْكَرِ إِلَّا بِمَا تَذْكُرُهُ، وَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يَفْعَلَ مَا ذَكَرْتَ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ لَفَعَلَ، وَإِنَّمَا يَبْلُو بِهَذَا الْفِعْلِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ وَيَأْخُذَهُمْ.
وَاللَّهِ يَا عَمْرُو إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا لَوْ يُرِيدُ فَسَيَقْتَلُ جَمِيعَ مَنْ يَرَاهُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ تَحْتَ لِوَائِهِ إِلَّا قَلِيلًا، فَذِكْرُ عَلِيٌّ دَعْهُ عَنْكَ، وَاعْمَلْ بِخَلَاصِكَ مِنْ هَذِهِ الْمِحْنَةِ، فَقَالَ عَمْرُو: اِحْفِرِ الأَرْضَ مِنْ حَوْلِي حَتَّى أَخْلُصَ مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَحْفِرُونَ حَوْلَهُ، وَكُلَّمَا حَفَرُوا نَزَلَ فِي الأَرْضِ حَتَّى نَزَلَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ.




