فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - عَزَّ عِزُّهُ - : يَا قَنْبَرُ، دُونَكَ الْفَرَسَ اِرْكَبْهُ وَاجْرِهِ، فَرَكِبَهُ، وَقَدْ عَادَ إِلَى أَشَدِّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ جَرَيَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تُوقِفُوهُ وَلَكِنْ فَاسْتَدْبِرُوهُ، وَأَوْقِفُوهُ وَاجْلِسُوهُ ! فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا هُوَ الابْتِلَاءُ وَالاخْتِبَارُ، لَعَنَ اللَّهُ شَانِئَكَ. وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: هَذَا قَلِيلٌ مِنْ سِحْرِ بَيْتِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأمْهَلَ حَتَّى قَرُبَ مِنْهُ الْفَرَسُ، ثُمَّ أسْتَدْبَرَهُ، وَهُوَ يَجْرِي، فَأَمْسَكَ بِذَيْلِهِ، وَأَجْلَسَهُ، ثُمَّ شَالَهُ عَلَى يَدِهِ، وَقَنْبَرُ مُنْتَصِبٌ عَلَيْهِ كَالصَّعْدَةِ ثُمَّ دَارَ يَدَهُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا يَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ مَرَّ إِلَى نَحْوِ السَّمَاءِ حَتَّى غَابَ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى السَّمَاءِ. ثُمَّ رَدَّ يَدَهُ، وَالفَرَسُ عَلَيْهَا فَأَوْقَفَهُ عَلَى الأَرْضِ. ثُمَّ قَالَ: اِنْزِلْ يَا قَنْبَرُ، فَنَزَلَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ هَذَا فِعْلُ مَنْ ضَعُفَ عَنْ ابْنِ هِنْدٍ ؟
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ مُتَذَلِّلِينَ بَاكِينَ، وَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تُهْلِكْنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.
فَقَالَ: بَلْ أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ، لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.




